39 عامًا على الاجتياح... مقاربة بين الماضي والحاضر/ هبة محمد إسماعيل

المكتب الإعلامي للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، بيروت، لبنان
05-06-2021
مشاهد مأساوية وثقتها ملامح الكبار، رُسمت بتجاعيد وجهوهم، وحَفّظت في عقولهم، لحظات الدمار والموت المفجع الذي أصاب عوائلهم وكل عزيز عليهم، مشاهد الاجتياح الإسرائيلي للبنان، الذي تأتي ذكراه الـ 39 في السادس من حزيران.
بوتيرة متسارعة، وبهجمات شرسة، اجتاح الاحتلال "الإسرائيلي" الأراضي اللبنانية في 6 حزيران/يونيو عام 1982، بذريعة اغتيال السفير الإسرائيلي في لندن شلومو أرجوف على يد مُنظمة "أبو نضال" المُنشقة عن حركة "فتح".
عملية غزو أطلق عليها الاحتلال الإسرائيلي اسم "عملية السلام للجليل" و"عملية الصنوبر"، حولت الأراضي اللبنانية إلى ساحات شاسعة من القتال بين مُنظمة التحرير الفلسطينية وسوريا و"إسرائيل".
خط هذا الاجتياح العديد من القصص التراجيدية التي يصعب حتمًا محوها من الذاكرة، أو حتى إزالة آثارها عن الجدران والشوارع التي شهدتها بتفاصيلها.

وفي هذا، روت لنا الحاجة سلوى قصتها، وكيف خسرت أختها وأخيها وابن عمها بصاروخ صهيوني، وكيف أمضت حياتها وأمها يداوون جراح الفراق وهول الصدمة.
كيف عبر الصاروخ من أمام والدتها التي رأت بأم عينها فلذات كبدها يلفظون أنفاسهم الأخيرة قبل أن تحلق أرواحهم البريئة إلى السماء.
الحاجة سلوى، استرجعت معنا تفاصيل القصة وكأنها تعيشها الآن، اختصرت بتعابير وجهها، ودموع عينيها، معاناة وروايات الآلاف الذين ذاقوا ويلات هذه المجازر وبطش العدو الغاصب.
حرمت من أغلى الناس على قلبها، من طفولتها من طمأنينتها، كان الموت طير أسود يحوم فوقهم طوال الوقت، يتفرقون في هروبهم من القصف الوحشي، يمشون بأمر من والدها بصف متباعد، كي لا تنال منهم صواريخ الاحتلال العشوائية.
والدها الذي كان دائمًا موضِع التضحية بروحه دفاعًا عن عائلته، يتقدمهم في المسير نحو الأمان، يراقبهم بعين الحسرة والخوف، يعلم أنه من الممكن أن يخسر أحدهم، ولكنه لا يريد أن يخسرهم جميعهم.
هذا ما كانت تقوم به العائلات آنذاك، يتفرقون غصباً عنهم، لحماية بعضهم، ولكي يبقى من يحكي القصة، وينقل المعاناة، ويروي الحقيقة كاملة.

في بيتها المُتواضع، الذي هدمته صواريخ الاحتلال، لكنها عادت وبنته سواعد وإرادة أبنائه، ارتقى إلى السماء ثلاثة أطفال.
دلال البالغة من العمر 12 عامًا، التي أصرت على الذهاب مع والدتها لتنظيف منزلهم، لم تكن تعلم أنها ستزف شهيدة منه هي وأخوها أمجد (14 عاماً)، وابن عمهم البالغ من العمر 16 عامًا.
كانوا يصرخون لوالدتهم التي كانت تنشر الملابس على سطح المبنى، أن تحتمي من القصف "انزلي يما.. إسا بتموتي"، وإذ بالصاروخ يعبر من أمامها ليحول المنزل إلى رماد، وأجسادهم إلى أشلاء.
لم تمت الأم ولكن ما حل بها، فاق ألم الإصابة بأشواط، دمها يسيل، وهي تصرخ "ولادك ماتوا يا سليمان... ولادك ماتوا يا سليمان"، صدمة جعلت الأم تركض عارية القدمين نحو المقبرة يوميًا لخمس سنوات، وحرمت الحاجة سلوى من زيارة المقبرة رعبًا وحزنًا على فراق من كانت أرواحهم معلقة بها.
بدموع عينيها روت الحاجة سلوى مصابها، وألمها على فقدان قطعة من قلبها، وحزنها على طفولتها التي أضاعتها الحروب، لحظات الرعب، والألم والصراخ، عبرت المشاهد من جديد أمام عينيها وكأنها تعيشها الآن، كانت الدمعة المحبوسة بين جفنيها كفيلة بأن توصل لنا ما عجز لسانها عن نطقه.
من جهة أخرى، زوجها الذي كان له الدور في مواجهة الاحتلال إلى جانب العديد من خيرة الشباب الذين عزموا على الوقوف في وجه النار للدفاع عن أرضهم.
هو وجميع أفراد عائلته، حملوا فكر الحكيم جورج حبش، الفكر الثائر، ومشوا على نهج المُقاومة، كانوا يترقبون الاجتياح الإسرائيلي للبنان، وكانوا على أهبة الاستعداد لاندلاع المُواجهات بينهم.
حتى آخر نفس، قاتل رشاد هو ومجموعات المُقاومة الأخرى الكيان الصهيوني، طوال عام ونصف لم يعرف شيئًا عن والدته وإخوته.
اعتقل مع الكثيرين في لبنان بمعتقل "أنصار"، عانى الظلم والتعذيب، ومن ثم انتقل إلى سجن "عتليت" في فلسطين، وضعوا في خيم زرعت بالجواسيس، وهناك تعرض للضرب المُبرح والتعذيب بأبشع صوره على أيدي ضباط إسرائيليين، ومن بعدها تم نقله إلى معتقل "أنصار" في وادي جهنم، إلى أن تمت عملية تبادل الأسرى عام 1984 وأطلق سراحه على إثرها.
لم يمنع ذلك رشاد الذي كان يبلغ من العمر 18 عامًا، من المتابعة في العمل المُقاوم، بل ازداد إصراره على المُضي قدمًا بما بدأه هو وإخوته ورفاقه.
رسالتهم كانت النضال حتى تحرير فلسطين، لكن الظروف السيئة التي أحاطت بهم أعاقت عملهم، والعشوائية والعمالة التي تجذرت منذ بدايات الحرب زادت من الانقسامات وأخرت من نجاحهم باسترجاع حقهم.
رشاد فقد العديد من رفاقه، فمنهم من استشهد ومنهم من اعتقل ومنهم من لم يعرف عنهم شيئًا، وكسائر الشباب المُقاومين الذين يتمنون الوحدة لإكمال الطريق نحو فلسطين وتحرير القدس، يحلم بالنصر الكبير ويعمل لأجله، وان كان حرم من النضال سابقًا غير أنه لم ينس أن هناك قضية وأن هناك عدوًا غاصبًا يجب هزيمته واقتلاعه من الأراضي الفلسطينية.

انسحب الإسرائيليون من لبنان وهم يجرون أذيال الذل والخيبة العسكرية، شردوا وعذبوا وقتلوا ودمروا، واغتصبوا الأراضي، ولكن، وعلى الرغم من كل ذلك لم ينكسر الولاء، ولم تحبط العزيمة، وما زالت جميع العوائل التي شهدت على هذه المجازر تحكي القصة، ولو بغصة، بنوا أجيال المُقاومة والتحرير.
وعلى الرغم من قساوة الروايات التي تعيدنا إلى الذاكرة في هذا اليوم، غير أننا لن نبكي ولن نضعف ولن نستسلم لكل الظروف السياسية المُحيطة بنا، لأننا على يقين بأن هذا الجيل لديه من المبادئ والشرف ما يكفي لأن تعود لنا فلسطين، جيل سيصنع ثورة لن تتمكن قوى الظلام والعدوان كافة من الوقوف أمامها وسيكون النصر حتمًا موعدها.
وأعظم ما نستشهد به في هذه الأيام، هو الاعتداءات التي مارسها الاحتلال على المسجد الأقصى وحي الشيخ جراح، فجاء الرد من فصائل المُقاومة في قطاع غزة، من خلال معركة "سيف القدس" التي حققت انتصارات لم تكن في حسابات الاحتلال، إلى جانب الانتفاضة الداعمة من مناطق الـ48 إلى غزة، إضافة إلى الوقفات التضامنية من الشعوب العربية والدولية التي أحيت من جديد روح القضية التي لا تموت ولا تستطيع أن تمحوها أية اتفاقية أو صفقات تطبيع.



التعليقات المنشورة تعبر عن رأي أصحابها


الأسم *
البريد الألكتروني
البلد *
التعليق *
رمز الحماية: أكتب الثلاثة أرقام السوداء فقط captcha image
New Page 1