تحليق منخفض مع عصفور/ محمد الريماوي

العربي الجديد
29-05-2021
تجذبني الطيور الغريبة التي أجهل أسماءها، ومنها طائر صغير الحجم ذو لون أسود لامع ومنقار نحيل، معقوف وطويل قياسًا بجرم الطائر. يحط على شجرة أمام بيتنا. شجرة ذات أغصان مائسة، إذ يتأرجح الغصن ما إن يحط عليه هذا الطائر المتقافز خفيف الوزن، والذي يجلب أحيانًا معه نظيرًا له.. ربما كانا ذكرًا وأنثى، كيف لي أن أعرف.. يأتيان تباعًا ساعة الظهيرة، أو يأتي أحدهما، إذ يلتذ بامتصاص زهرة ذات لون أرجواني خلاب، فالأزهار تؤكل أيضًا، وليست فقط كما نتوهم نحن البشر، للرؤية، أو لشم رائحتها، إن كانت ذات عبق، أو عبير.
على أني لن أتحدث عن هذا الطائر الممراح، الذي كثيرًا ما يتواقت مجيئُه مع خروجي إلى الشرفة، بما يستدعي مني التراجع إلى الوراء كي ينعم بالسلام بعيدًا عن عدوانية البشر التي تخبرها الطيور جيدًا. إذ أود الإفضاء في هذا المقام بعاطفة مكينة ومكبوتة تجاه طائر آخر ذي حظ متواضع لدى الشعراء والفنانين، رغم كثرة أعداده، ورغم أنه ملء النظر. ولعله أول عصفور صادفته، وأدركت ماهيته، في سني الطفولة الأولى. وحين أسمع، أو أقرأ، كلمة عصفور، فإن ذهني يتجه إليه على الفور، وتستحضره ذاكرتي، وهو العصفور الذي طالما اصطاده الأطفال الأشقياء، وكنت جرّبتُ على مضض، ومن باب المنافسة مع أترابي الصغار، تهيئة فخ على شجرة عنّاب في بستان جدي القريب، ووضعت شيئًا للأكل لعله قطعة جبن ضئيلة مع غراء على الأسلاك. ولحسن الحظ، لم ينجح الفخ في الإيقاع بأي عصفور، ولم يكدّرني ذلك أبدًا، رغم خسارة الرهان أمام الأصحاب، في سن السابعة، أو الثامنة. فماذا كنت سأفعل بالعصفور لو وقع في الفخ؟ هل سأشويه وآكله؟ لن أفعل. مع أني ارتكبت في حياتي، مرة، أو مرتين، إثم تناول عصفور "يؤكل مع عظامه"، حسب وصفة تشجيعية رائجة انقدتُ إليها ذات مرة، أو مرتين، ولم أكررها. جيد على كل حال أنهم لم يقولوا إنه يؤكل مع ذرقه.
ما زلت أود الحديث عن ذلك العصفور. إذ أصادفه أينما حللت وارتحلت. وفي جميع البلدان يعتبرون هذا الطائر طائرهم. رغم أن نُسَخه هنا وهناك وهنالك لا تختلف في شيء عن بعضها بعضًا. إنه طائر نشيط، مُجِد، بألوان محدودة متقشفة، رمادي في الغالب، مع لون بني أحيانًا، بلا زركشة، وبأقل قدر من التناغم بين اللونين، وهو ما أنجاه من إعجاب البشر به، وحبسه في الأقفاص. ويكفي أن يصادفه المرء في أي مكان، وبما يجعل الأمر أقرب إلى الحتم، لا إلى المصادفة، كي يدرك الرائي أن هذا العصفور ينتمي لشعب غفير من أبناء جنسه، ربما تنافس أعداده عدد أبناء بلاد التنين. ومع ذلك، فإنه طائر يتحلى بالتواضع. فقلما يرد ذكره في أغنية، أو لوحة، أو قصيدة، أو شريط سينمائي. ورغم معايشته المديدة لهم، فلا يثنيه تبخيس البشر لمقداره، عن الطيران والتحليق والتكاثر بأكثر مما تفعل جمهرة العصافير قاطبة. وتصفه ويكيبيديا بأنه ينجذب إلى الأماكن المأهولة بالبشر، وينفر من الصحاري، والمناطق الجافة. وألاحظ أنه ليس معروفًا بالتغريد والسقسقة، لكنه يصدر أصواتًا قصيرة تبدو غير منغمة، ولا تتناهى إلى الأسماع، إلا إذا تعمّد المرء الإصغاء. أما حجمه، فنموذجي للعصافير، فهو متوسط الحجم، مقارنة بغيره، ويملأ قبضة اليد المتوسطة. لا يتسم بالعدوانية، أو النهم، ولا بالجُبن، فهو طائر مسالم مثابر يتغذى على ما يفيض من البذور، وينتشر وجوده في الأرياف، ولا تفتقد المدن حضوره الكثيف، فهو ملء النظر، ومهما امتدت المسافات أمام المرء، فإنه واجد هذا الطائر الصغير مثلما يراه كل يوم في موطنه. ولذلك ليس غريبًا أن تصنفه هذه الموسوعة على أنه ينتمي إلى/ بل هو في صدارة فصيلة "العصافير الحقيقية". وهو نعت توقيري وفخيم لم يحظ به البشر الذين لا توصف فئة منهم بأنها تنتمي للبشر الحقيقيين، هذا إذا كان ثمة صنف من هؤلاء.
بانتشاره في كل مكان، حتى في المناطق القطبية، فإنه يسهم بقسطه في البرهنة على وحدة الوجود والموجودات، وعلى أن الأرض تبقى صغيرة مهما اتسعت، فهذه الكرة هي جزء من مملكته، والجزء الآخر والأهم هي الفضاءات التي لا يحدّها حد.. وإذ ينتشر في أربع رياح الأرض، فإن موطنه الأصلي هو الشرق الأوسط، بما يضاف إلى سجل هذه المنطقة من مآثر تاريخية، على أن ذلك لا يسلبه كونه الأكثر تمثيلًا لصورة الكائن العالمي ونموذجه، العابر للقارات والأقاليم والفوارق المناخية والجغرافية، هذا في المكان. أما في الزمان فيبلغ عمر سلالته نحو عشرة آلاف سنة.. وهي فترة طويلة لكائن بسيط التكوين من غير فصيلة الثدييات.
ليت هذه الكلمات تستحيل إلى وليمة بذور على شرفه، وذلك من باب التحية الخالصة له، وليت الكاتب ينتصب شجرة مثمرة كي يقف عليها وينقر ثمرة يشتهيها، إذ لا يأبه عصفور الدوري للتبخيس ولا للتثمين.. فديدنه التمتع بالغذاء والأمان استعدادًا لمعاودة التحليق في سماء الله الواسعة، وفاءً لمواعيد ورهانات لا أحد يدرك كنهها سواه.


التعليقات المنشورة تعبر عن رأي أصحابها


الأسم *
البريد الألكتروني
البلد *
التعليق *
رمز الحماية: أكتب الثلاثة أرقام السوداء فقط captcha image
New Page 1