انفتاح تعليمي على فلسفات الآخرين: ابن سينا في مدارس فرنسا

العربي الجديد
28-04-2021
في فترةٍ ما مِن تاريخ فرنسا، تمتدّ بين عامي 1902 و1967، كانت شهادة التعليم الثانوي، في فرغ الآداب والإنسانيات، تحمل اسمَ "فلسفة". بالنسبة إلى التلاميذ، وكذلك معلّميهم، كانت اللغات والنصوص والآداب والفنون تفضي جميعها إلى ما اعتاد القدماء تسميتها أمّ العلوم، باعتبار أنّ الفلسفة تختصر، بشكل أو بآخر، مجمل حقول الآداب والإنسانيات، أو أنّها تمثّل الأفق الذي يجمعها. كما أنّ في هذه التسمية، في أحد معانيها على الأقلّ، إرضاءً لفخرٍ فرنسي بكون البلد منبعاً لفلاسفة أضافوا لمستهم إلى مسيرة الفكرية البشرية، من ديكارت إلى برغسون، مروراً بباسكال وديدرو وباشلار وغيرهم.
هذه العلاقة الخاصة بالفلسفة، التي لطالما اعتنت فرنسا بالحفاظ عليها، جعلت من تدريس المادّة في مرحلة التعليم الثانوي أمراً مقدّساً، ودفعت المسؤولين إلى فرضها، منذ عقود، حتى في مناهج التعليم العِلمية. مناهج لا تكاد تستقرّ، بعد عقد أو اثنين من التغيير، حتى تعرف حركات تغيير وإصلاح، ومن آخرها ما أعلن عنه وزير التعليم الحالي، قبل عدّة أشهر، من تغيير في شكل الشهادة وتوزيع فروعها. وقد أُرفق مع هذا التغيير إصلاحٌ جديد، يتمثّل في إدخال أسماء جديدة على برنامج الفلسفة؛ أسماء فلاسفة مسلمين، أو شرقيين، أو فيلسوفات ــ وهي نقاط انتماءٍ قلّما كان لها وجودٌ في برامج التعليم السابقة.
من هذه الأسماء الجديدة، التي قد يقابل طالبٌ أو طالبةٌ أحد نصوصها بعد أسابيع قليلة، أثناء امتحان الفلسفة، يمكن ذِكر ابن سينا، الذي ينضمّ إلى ابن رشد، الموجود منذ سنوات في قائمة المؤلّفين الذين يدرسهم طلاب الشهادة الثانوية الفرنسيون في حصّة الفلسفة. ومنهم أيضاً موسى بن ميمون (1138 ــ 1204)، الذي كتب قسماً كبيراً من اشتغالاته الفلسفية باللغة العربية، لكنّ استقباله في الغرب فصله، وما زال يفصله، تماماً عن هذه اللغة والفضاء الثقافي العربي الذي عاش وأنتج من خلاله فيه ابن ميمون.
كما ضمّت التغييرات فتح الباب على فلسفات الشرق الأقصى، التي لا يُنظَر إليها بعين الرضى في الأجواء الأكاديمية الفلسفية في فرنسا، والتي غالباً ما ترى فيها بُعداً روحياً أو أخلاقوياً لا يليق بالفلسفة كشغل في المفاهيم. من هذه الأسماء الشرقية الفيلسوف الصيني جوانغ زي (369 ق. م. ــ 288 ق. م)، صاحب كتاب يحمل اسمه ويعدّ ــ مع كتاب "داوديجينغ" لـ لاوتسو ــ مرجعاً أساسياً وتأسيسياً للطاويّة، وكذلك الفيلسوف الهندي ناجارجونا (بين عامي 150 و250 للميلاد تقريباً)، أحد أبرز وجوه البوذية الهندية.
ولا تقتصر قائمة الفلاسفة والمفكّرين الجدد على فلاسفة "غرباء" أو "أجانب"، إذ تضمّ، من بين الأسماء النسوية التي تقترحها، اسم الفيلسوفة الفرنسية سيمون فايل (1909 ــ 1943)، صاحبة "الشرط العمّالي" و"حول العِلم"، والمفكّرة الفرنسية الأخرى سيمون دو بوفوار، المعروفة لدى القارئ العربي، إضافة إلى السويسرية جان هيرش (1910 ــ 2000)، صاحبة "الكينونة والشكل" و"الزمان والموسيقى" والتي درّست الفلسفة لسنوات طويلة في جامعة جنيف.
وإن كان هذا الانفتاح على ثقافات أخرى ــ وكذلك على أسماء فكرية أوروبية هُمّشت لمجرّد كونها أسماء نساء ــ واشتغالاتها الفكرية، الذي يُظهره الإصلاح الجديد، يمثّل خطوة تعليمية تستحقّ الملاحظة، فإنّه قد يحمل، في الوقت نفسه، ملمحاً فلسفياً، باعتبار أنّ مسألة الآخر واحدةٌ من المسائل الفلسفية دائمة الراهنية، بل التي يُمكن أن تُعرَّف الفلسفة بها، في أحد معانيها. إصلاحٌ لا بدّ من الانتظار سنواتٍ أُخرى للوقوف على نتائجه، كما هو حال أيّ تعليمٍ في الصغَر.


التعليقات المنشورة تعبر عن رأي أصحابها


الأسم *
البريد الألكتروني
البلد *
التعليق *
رمز الحماية: أكتب الثلاثة أرقام السوداء فقط captcha image
New Page 1