نتذكر ولا ننسي القائد المميز صابر محي الدين/ طاق أبو بسام

بوابة الهدف الإخبارية
21-09-2020
في مثل هذا اليوم من عام 2003 رحل عن عالمنا، وغادرنا بصمت القائد الكبير أبو طارق، صابر محيي الدين، رفيق الدرب الطويل، وصديق الزمن الجميل.
في مثل هذا اليوم توقف القلب المنهك فجأة عن الخفقان، وتوقف العقل المفكر، عن التفكير والإبداع؛ ما أصعبها من لحظات حين يغادرنا الأحبة والرفاق دون أن يكون لديهم الوقت لوداعنا ويتركونا نتساءل: هل فعلًا ذهبوا بهذه السرعة أم نحن واهمون؟ كثيرًا ما يرفض العقل أن يصدق الحقيقة المرة، وهذا ما حصل مع غياب الرفيق صابر.
رحل صابر في شهر أيلول، هذا الشهر الحافل بالمناسبات والذكريات الأليمة لشعبنا، فمن مجازر أيلول في الأردن، إلى مجازر صبرا وشاتيلا في بيروت، ومن اتفاقيات كامب ديفيد الخيانية التي وقعها السادات، إلي اتفاقيات أوسلو الكارثية وملحقاتها والتي وقعتها بعض "القيادات الفلسطينية" المتنفذة بعيدًا عن الاجماع الوطني، ومن وراء ظهر الفصائل والشعب الفلسطيني، هذه الاتفاقات التي أوصلتنا لما نحن عليه الآن؛ من تطبيع عربي تقوم به الإمارات و البحرين ، وأبت مغادرته؛ إلا أن يكون في أيلول؛ الشهر الذي رحل فيه القائد الخالد جمال عبد الناصر.
رحل الرفيق صابر في هذا الشهر ليضيف إلى آلامنا ألمًا ولأحزاننا حزنًا. لقد كان رحيله مؤلمًا لرفاقه ولكل من عرفه.
من هو صابر محي الدين
إنه سياسي ومفكر وكاتب. إنه رجل المهمات التنظيمية الصعبة؛ إنه المثقف واسع الإطلاع وهو القائل: ثورة يسودها الجهل لن تنتصر، وهو بالأساس نموذج بارز للمثقف العضوي الملتصق بشعبه وقضاياه، وإنه قبل كل هذا الإنسان المتواضع؛ الإنسان الرقيق صاحب الحس الرفيع، والذي أحب رفاقه وأحبوه، وأحب شعبه ولأحبوه وأحبه كل من عرفه. وقد كنت من المحظوظين بمعرفته؛ معرفة وثيقة، عززت عندي كل ما كتبته أعلاه، مع إحساس بأنني مهما كتبت لن أفي هذا الغائب الحاضر حقه.
كان صابر كتلة متحركة من القيم والنشاط، تجسدت فيها القيم والأخلاق والمبادئ؛ كان دائما مبعثًا للأمل والتفاؤل، في فترة ساد فيها اليأس والإحباط؛ كان مؤمنًا إيمانًا لا يتزعزع بأن النصر قادم لا محالة والاحتلال إلى زوال رغم قساوة وصعوبة الظروف، وكان يدعو دومًا للعمل المبرمج والمدروس، لا يحب الارتجال والعفوية، خطواته محسوبة بدقة كما هو وقته؛ يمقت إضاعة الوقت؛ كان حريصًا على كل دقيقة من وقته يعمل ويعمل دون كلل، رغم ظروف الصحية الصعبة.
صابر محاور من طراز رفيع، يحترم الرأي والرأي الآخر، مقنعًا في أسلوبه، تراه يحاور هذا الرفيق ويجادل رفيقًا آخر، دون تعنت في الرأي، وإنما منفتحًا إلى أبعد الحدود في سماع وجهة النظر الأخرى، وكان دائمًا يقول ليس هناك من يملك الحقيقة المطلقة. كان حازمًا في الدفاع عن مواقفه، وفي الوقت نفسه كان يعترف بالخطأ ويعمل عل تصحيحه، فهو بشر كما غيره من الناس يخطي ويصيب.
ولد صابر في قرية سيلة الحارثية عام 1948، عام النكبة، وعانى مع أسرته، كما عانى أبناء شعبه من التهجير والاضطهاد والرحيل. انتسب لحركة القوميين العرب في مطلع شبابه في عام 1966 وكان ناشطًا فيها، وفي أعقاب هزيمة 1967 وعند تأسيس الجبهة الشعبية التحق بها منذ التأسيس، وكان ناشطًا مميزًا بفعله، حيث اعتقل في الأردن؛ بسبب نشاطه هذا. ناضل في مواقع مختلفة في صفوف الجبهة، وتسلم الكثير من المهمات فيها ووصل إلى عضوية المكتب السياسي، حين انتخب بعد المؤتمر الوطني الرابع لهذا الموقع.
تحمل مسؤولية فرع سوريا للجبهة بعد الخروج من بيروت، كما تحمل مسؤولية الدائرة الحزبية، وتحمل مسؤولية الدائرة الإعلامية والناطق الرسمي باسم الجبهة، إلى جانب المشرف العام ورئيس تحرير مجلة الهدف، وقد ترك صابر الآثار الإيجابية في كافة المواقع التي تحمل المسؤولية فيها، إلى جانب ذلك تحمل صابر العديد من المسؤوليات في المجال الوطني العام منها عضويته في: المجلس الوطني الفلسطيني، والأمانة العامة لاتحاد الكتاب والصحفيين الفلسطينيين، وأمانة سر لجنة الدفاع عن الثقافة الوطنية الفلسطينية، والمجلس الأعلى للثقافة والعلوم في المجلس الوطني، ومدير مركز الغد للدراسات الذي أسسه الراحل جورج حبش وبقي فيه حتى رحيله.
كان صابر محي الدين صاحب رؤية سياسية ناضجة، وتحليل علمي دقيق؛ كان يتميز بمواقفه الثاقبة والدقيقة لرؤية الصراع العربي الصهيوني وكيفية مواجهته؛ كان يتميز بمواقفه الثابتة في الدفاع عن الوحدة الوطنية الحقيقية؛ كان مدافعًا صلبًا عن حق الشعب الفلسطيني في عودته إلى أرضه وإقامة دولته على أرض فلسطين، كل فلسطين، في الوقت الذي ذهب فيه الكثيرون إلى أوسلو ودافعوا عنها؛ كان مقاومًا شرسًا لهذه الاتفاقيات، وتصدى لها سياسيًا وفكريًا وثقافيًا وبيّن مخاطرها؛ كان صابر أنيقا في روحه و لباسه، بلا تكلّف أو مبالغة، لدرجة أنه كان يلقب، تحببًا، بالملك the king أو the prince الامير. وقد كان فعلًا ملكًا ليس في لباسه وهندامه فقط، وإنما في مواقفه ودفاعه عن الحق الذي لا يخشى فيه لومة لائم، وصراحته المعهودة البعيدة عن المجاملة، ونقده البناء؛ كان يقول؛ إننا فشلنا لأننا لم نحارب الفساد والمفسدين، وسمحنا لهم الوصول للقيادة والتحكم بها، وفشلنا لأننا لم نحاسب ولم نضع الشخص المناسب في المكان المناسب؛ كان يرى في الكتابة ونشر الثقافة والوعي واجبًا مقدسًا، ونضالًا مستمرًا لا هوادة فيه في مواجهة ثقافة الفساد ومنظومته التي تعبث بمصير الشعب وتنشر ثقافة الإحباط واليأس، بينما ينشر هو ثقافة الأمل والمقاومة؛ كان واقعيًا من موقع رؤية الواقع والعمل على تغييره، وليس الاستسلام له؛ كان يؤمن بالنقد والنقد الذاتي، ويميّز بينه وبين جلد الذات المؤدي إلى اليأس والإحباط؛ كان يرى الأخطاء ويعمل على تصحيحها، ولم يكن يومًا مستعدًا للسكوت عنها؛ كان يتحلى بروح المبادرة والمسؤولية، تراه باستمرار يفكر ويبحث عن الحلول المناسبة للخروج من المشاكل والصعوبات من موقع الباحث والمفكر الملتصق بالجماهير ومعها والمعايش لهمومها؛ كان منضبطًا في مواعيده يحترم الوقت ويعتبره مقدسًا، لا يجوز اضاعته في التفاصيل؛ كان دوما يبحث عن الجوهر ويتمسك به؛ كان يؤمن إيمانًا قاطعًا بالممارسة والعمل، ويؤكد دومًا أن الأقوال التي لا تترجم الى أعمال هي فارغة ولا قيمة لها.
عاش صابر القضية الوطنية الفلسطينية التي لم تفارقه، وسكنت روحه وجسده، وتجسدت في فكره وعمله ولم تغادره حتى غادرنا هو جسدًا، باقيًا بما مثّله من قيم وأنموذج نضالي بارز، فهو صفحة فلسطينية مشرّفة من صفحات النضال الوطني كتبها بنضاله ومواقفه.
استشهد صابر محي الدين ولم يكن في جيبه سوى بضعة ليرات سورية، وهو الذي كان بإمكانه أن يكون من بين الأغنياء حين عرض عليه، ولأكثر من مرة العمل في الصحف الخليجية ودور النشر وترؤس البعض منها وبرواتب مغرية، لكنه رفض دومًا هذه الامتيازات وبقي ملتصقًا بالعمل الوطني الفلسطيني ومخلصًا لقناعاته.
كان صابر غزير في كتاباته، يكتب ويحلل ويستنتج، وقلما كان يوقع باسمه، ويشهد على ذلك دوره الكبير في كتابه وصياغة الكثير من أدبيات الجبهة الشعبية، وإعداد تقارير مؤتمراتها الوطنية إلى جانب الكتابة المستمرة في مجلة الهدف وهو رئيس تحريرها.
لم يكن صابر يبحث عن الشهرة والذات، بل كان يبحث دومًا عن العام، ويجيّر الخاص لمصلحة العام، فلقد اختار صابر طريقة وواصل مسيرته بشجاعة وإخلاص، لكنه لم يختر نهايته، وقد اختارها له القدر.
كما سبق وقلت أعلاه، كنت من المحظوظين بمعرفته عن قرب، وقد عشت وتعايشت معه فترة طويلة، وتعود معرفتي القريبة منه للعام 1975؛ عرفته في بيروت وبغداد ودمشق والجزائر وبراغ، وجمعتنا العديد من القيم الأخلاقية والمبادئ والقواسم والمواقف المشتركة؛ سياسيًا وتنظيميًا. كنا، كلما التقينا نتحاور في الكثير من المواضيع الخاصة التي تهم الجبهة والقضايا العامة التي تخص الوضع العربي والعالمي، وفي مجالات السياسة والثقافة والفكر. وكنا نستمع لبعضنا البعض من موقع الاحترام والتقدير. كنا نتفق في اغلب الأحيان ونختلف في البعض الآخر، وكلما تحاورنا أكثر كنا نقترب من بعضنا أكثر. وهنا وفي السياق هذا، تحضرني فكره كان الرفيق صابر دائم التركيز عليها، وهي أنه خطأ منهجي وفكري أن نقارن، كجبهة، بالوضع القائم، وأننا أفضل الموجود، وأن هذه المقاربة تدفع إلى نوع من الرضا عن الذات بالتالي الخمول وعدم البحث عن كيفية التطور، وأن المنهج السليم والصحيح هو أن نقارن أنفسنا وبرامجنا بما نطمح ونسعى أن نكون عليه. وهذا كان، وما زال، يذكرني دومًا بمقولة الشهيد غسان كنفاني : إذا كنا مدافعين فاشلين عن القضية، فالأجدر بنا أن نغير المدافعين لا أن نغير القضية.
واعترف إنني استفدت كثيرًا من الرفيق صابر وحوارتي القيّمة معه، وتعلمت منه الكثير، وتوطدت وتعززت علاقاتي معه بشكل كبير جدًا، وكنت أتطلع دومًا متى ستتاح لنا فرصة جديدة للقاء. ولا يفوتنى في هذه المقال أن أسجل بعض ذكرياتي الخاصة مع الرفيق صابر؛ عند زواجه في منتصف الثمانينيات من رفيقة دربه وشريكته هناء العلمي، حضر إلى طرفنا في براغ ليقضي مع زوجته بعض الوقت بعيدًا عن مشاغل ومتاعب الحياة اليومية، أو كما نسميه في بلادنا شهر العسل. أبلغني بموعد وصولهم إلى براغ، وكنت في استقبالهم في المطار، وقد حجزت لهم مسبقًا في إحدي فنادق براغ الممتازة، وكانت الليلة فيها في ذلك الوقت لا تزيد عن 20 دولارًا، أما الآن تصل إلى 300 دولار، وربما أكثر، ليس هذا المهم، المهم أننا في اليوم الثاني لوصولهما ذهبت معهما، أنا والرفيق وائل –الذي غادر دنيانا كذلك- لزيارة قلعة براغ الشهيرة، وهي من المعالم السياحية الجميلة في براغ، وفيها كاتدرائية قديمة من أقدم ما هو موجود في أوروبا، وعند وصولنا كانت حشود كبيرة من السواح تصطف؛ من أجل الدخول إلى الكاتدرائية والتمتع برؤيتها، وما هي إلا دقائق معدودة وإذا بالرفيقة هناء زوجة صابر تصرخ بصوت عال وتقول سرقوني، وتشير إلى بعض الأشخاص وهم من النّور (العجر)، وهذا اختصاصهم، حيث يذهبون للأماكن المحتشدة بالسواح ويسرقون وبهربون بين الناس ويصعب الوصول إليهم. لقد سرقوا من حقيبة هناء الجزدان وكانت فيه كل "الغلة" التي جمعها العروسان من ما حصلوا عليه من (نقوط) من الأهل والرفاق والأصدقاء، ووجد صابر وهناء نفسيهما وقد فقدوا ثروتهم وكل ما يملكون في وضع صعب لم يتوقعوه أبدًا، وما كان من الرفيق صابر؛ إلا أن طلب مني أن أحجز لهم في اليوم التالي للعودة إلى دمشق، رفضت من جانبي الفكرة بإصرار، وأقسمت أن برنامجهم ورحلتهم لن يتغير فيها أى شيء، وقدمت لهم ما أستطيع، وبالفعل استمرت الرحلة لمدة أسبوعين، وكانت من أجمل الأيام التي قضيناها سويًا، وبعد أن عاد إلى سوريا أصر على دفع المبلغ الذى قدمته له وقد فعل، رغم كل محاولاتى التي فشلت معه، هذه إحد القصص التي حصلت بيني وبين الرفيق صابر.
أما القصة الثانية ما زلت أذكرها جيدًا، عندما انعقد المؤتمر السادس للجبهة في دمشق أصر الرفيق صابر على عدم ترشحه للانتخابات لعضوية اللجنة المركزية والمكتب السياسي، وهو من أحق الناس بها لما يمتلكه من مواصفات تؤهله لذلك، ورغم محاولاتي الجادة والمضنية معه ومحاولات العديد من الرفاق لثنيه عن قراره وقبوله بالترشح؛ إلا أنه أصر على رأيه قائلًا: "أريد أن أتفرغ للعمل الفكري والكتابة، نحن بحاجة إلى ذلك، كما أنه من واجبنا أن نعطي الفرصة للجيل الجديد، لكي يقوم بدوره في قيادة العمل".
كان صابر مؤمنًا إيمانًا راسخًا ولديه قناعة لا تتزحزح بأهمية العمل الفكرى وضرورة النضال على الجبهة الثقافية، والذي كان يعتبره الرديف الطبيعي والرئيس للكفاح والنضال على الجبهات الأخرى، كذلك أهمية التجديد، وقد فعل ذلك ومارس قناعاته، رغم كل محاولات ثنيه عن ذلك، هذا جزء بسيط مما مثله الرفيق صابر؛ المناضل العنيد؛ الشجاع؛ المعطاء؛ المخلص لرفاقه وجبهته، وقبل كل ذلك المخلص لشعبه وقضيته.
رحل صابر باكرًا وهو في قمة العطاء، نقول له في ذكرى رحيله ما أحوجنا إليك يا أبا طارق، ونقول لك إننا مقصرون في حقك، ولا يجوز أن تأتي ذكرى رحيلك دون أن نذكرك ونتذكر مواقفك وهذا حقك علينا.. وواجبنا نحوك.
وفي هذه المناسبة نطالب رفاق صابر، ومن عملوا معه، وهم كثر، أن يخلدوا مسيرته وتاريخه النضالي، وأن يجمعوا كتاباته ويقيموا الندوات الثقافية والحوارية في ذكري رحيله، وهو أحد أعمدة الفكر والثقافة والنضال الفلسطيني الذي لم يعطَ حقه، وفوق كل ذلك نطالب الكل الفلسطيني الوفاء للمبادئ والقضية التي ناضل من أجلها صابر كما غيره ممن غادرونا قبله وبعده: هل نستجيب؟


التعليقات المنشورة تعبر عن رأي أصحابها


الأسم *
البريد الألكتروني
البلد *
التعليق *
رمز الحماية: أكتب الثلاثة أرقام السوداء فقط captcha image
New Page 1