زمـن الحكيـم (أيـام جـورج حبـش)

بوابة الهدف - بقلم / فضل مصطفى النقيب - أحد مؤسسي حركة القوميين العرب
26-01-2019
أولا
يقول الشاعر ت.س. إليوت: الشعراء السيئون يقترضون من الآخرين، أما الشعراء الجيدون فإنهم يسرقون الآخرين.

لم يكن جورج حبش شاعرا، بل عاش حياته كلها وهو يناضل لاسترداد ما سُرق من أرضه وشعبه ووطنه. وقد تميز ذلك النضال في أن صاحبه تمكن، وعلى امتداد ستة عقود، من الثبات على الأهداف التي انخرط في النضال من أجل تحقيقها، بينما تراجع كثير من القادة الفلسطينيين الآخرين عنها. ولقد تمكن من ذلك لأنه فهم معنى النضال بطريقة واحدة هي أنه الوسيلة من أجل الحصول على «القوة» لدعم «الحق»، ولم يفهمه على أنه الوسيلة لاستخدام «الحق» من أجل الحصول على «القوة». ولذلك كان من القادة القليلين الذين تصرفوا على أساس ان الوطن هو «فلسطين» لا «القضية الفلسطينية»، وظل قادرا على ان يفهم العلاقة الوثيقة التي تربط أي حدث بفلسطين: أي كيف تكونت بدايات ذلك الحدث في «الماضي الفلسطيني»، وكيف تطورت حتى وصلت الى «الحاضر الفلسطيني»، وما هي احتمالات صيرورة الحدث في «المستقبل الفلسطيني». وبسبب هذا الفهم ظل قادراً على التعامل مع الواقع بكل أبعاده المرئية والخفية، وعلى تجنب الوقوع في الأوهام التي تخلقها حوادث عارضة.
في البداية تشكل وعي جورج حبش بحجم النكبة، ففي الثالثة والعشرين من عمره وجد نفسه في الجامعة الاميركية في بيروت مطرودا من بلده، ومعظم شعبه مشرداً. وكان طبيعيا جدا ان يشعر بالدفء الغامر وهو يجد طلابا عربا ليسوا فلسطينيين، كما كان من الطبيعي ان يتحول ذلك الشعور الى تأمل وتفكير وهو يستمع الى أستاذ مرموق هو قسطنطين زريق يتحدث عن معنى النكبة، وأنها نكبة كل العرب لا فلسطين وحدها.

نتيجة هذا الشعور الدافئ وذلك التأمل والتفكير تكرست في وعي جورج حبش العلاقة الجدلية بين نكبة فلسطين وواقع التجزئة في الوطن العربي. فهذه النكبة وقيام اسرائيل حدثا بسبب الضعف الذي كرسته التجزئة في الوطن العربي، كما ان اسرائيل عملت بدورها على الابقاء على الضعف العربي عن طريق الحفاظ على التجزئة ومنع الوحدة.

وهكذا، ولدت حركة القوميين العرب كردة فعل مباشرة على النكبة لتلبي حاجتين غريزيتين شعر بهما كل رجل فلسطيني وامرأة فلسطينية بعد نكبة .1948 فقد كانت هناك حاجة ملحة إلى الانتماء إلى كيان أكبر من المخيم واللجوء والتشرد. ففي حركة القوميين العرب كان الانتماء يتجه الى الأمة العربية ذات التاريخ المجيد، والتي كان لها دور أساسي في تاريخ الحضارة الانسانية.

علاوة على ذلك، كانت هناك حاجة ملحة الى اكتشاف طريق العودة الى فلسطين وتحديد أساليب النضال القادرة على تمهيد ذلك الطريق والسير فيه بسرعة. ففي حركة القوميين العرب كان طريق العودة يتحدد في التزام النضال الهادف الى بناء المجتمع العربي الجديد على أسس نهضوية متحررة من أسباب التأخر والضعف كلها، كي يكون قادراً على تحطيم التجزئة التي فرضها الاستعمار، وعلى إقامة دولة الوحدة وجيشها القادر على تحرير فلسطين.

وتميزت الحركة بصفتين مهمتين كان لهما تأثير كبير في مسيرتها السياسية: الأولى، أنها لم تتبن «القومية» كأيديولوجيا وإنما كانتماء نابع من التاريخ والجغرافيا والثقافة، وكان ذلك واضحاً جداً في تأثرها بأفكار قسطنطين زريق وساطع الحصري. أما الثانية، فالتزامها الأسلوب الثوري لا أسلوب التطور بالتدريج في العمل السياسي، ولذلك كانت تنمو في أجواء مهيأة لتكريس مفهوم الثورة على الأنظمة السياسية في البلاد العربية، واستبدالها بأنظمة مغايرة في التوجه والممارسة، وقادرة على مقاومة الاستعمار وتحقيق الوحدة والتصدي للمعركة التاريخية مع إسرائيل.

لقد شكلت هاتان الصفتان السبب الرئيسي الذي جعل حركة القوميين العرب، بعد قيام ثورة 23 تموز/ يوليو ,1952 من أشد المتحمسين والمؤيدين لنهج عبد الناصر الثوري، ومن أوائل الداعين إلى التماهي مع التيار الناصري والانخراط في صفوفه. فقد كان الالتزام الناصري بالقومية العربية مبنياً أيضاً التاريخ والجغرافيا والثقافة لا على الفكر الأيديولوجي، وكان التزام التيار الناصري الأسلوب الثوري ألهب عاطفة الجماهير العربية وخيالها بشكل غير مسبوق.

كانت حركة القوميين العرب حركة حقيقية، متطورة، حية، وككل الكائنات الحية كان لها زمن للحياة وزمن للموت.

عاشت الحركة وناضلت طوال خمسينيات وستينيات القرن الماضي من أجل تحطيم التجزئة وإقامة دولة الوحدة، وعندما توقفت معارك النضال تلك بتأثير هزيمة 1967 توقفت الحركة عن التنفس والنمو والحياة. وبذلك تجنبت حركة القوميين العرب مصير بعض الحركات السياسية التي تأسست قبلها او بعدها، ثم انتهت بعد عشرات السنين الى كائنات غريبة عجيبة لا هي حية ولا هي ميتة.

في أعقاب هذه الهزيمة، احتل موضوعا الانتماء وطريق العودة مكانا بارزا في تفكير الحركة. وإذا كانت فداحة الهزيمة العسكرية للجيوش العربية كرست على الفور تغييرا جذريا في مفهوم «طريق العودة» الذي تسبب بإسقاط الاعتماد على دولة الوحدة العربية القادرة على تعبئة الجماهير العربية وإعداد جيش قادر على خوض معركة التحرير، واستبداله بمفهوم الاعتماد على الشعب الفلسطيني في خوض معركة تحرير وطنه بأسلوب حرب التحرير الشعبية، فإن الاجماع على تبني ذلك الأسلوب لم يصاحبه إجماع في موضوع الانتماء. فقد أفرزت الهزيمة في هذا المجال تيارين جديدين في صفوف الشعب الفلسطيني:

التيار الأول رأى ان الهزيمة حدثت تحت راية «الانتماء القومي» الذي جعل الشعب الفلسطيني يغيب عن ساحة المعركة، ولذلك فان الرد الطبيعي على الهزيمة يبدأ عندما يتسلم الشعب الفلسطيني زمام قضيته بيده ويحررها من «الوصاية العربية» ويشرع في بناء مشروع وطني فلسطيني يعتمد على الدعم العربي، لكنه في الوقت نفسه يحتفظ بالقدرة على القرار المستقل.

أما التيار الثاني فقد رأى ان الهزيمة أثبتت ان ليس صحيحا ان طبقات الأمة العربية كلها لديها مصلحة واحدة في الصراع ضد اسرائيل وفي خوض معركة تحرير فلسطين، إذ ان هناك انظمة تمثل مصالح فئات وطبقات عربية مرتبطة بالامبريالية الاميركية المتحالفة عضويا مع اسرائيل. ولهذا فإن الصراع ضد اسرائيل هو صراع ضد الأنظمة الرجعية العربية، والطبقات البورجوازية العربية، أي ان أصحاب المصلحة الحقيقية في خوض ذلك الصراع والاستمرار فيه هم جماهير العمال والفلاحين المتضررة من تحالف الامبريالية والرجعية واسرائيل.

كان التركيز في البداية على «طريق العودة» فقط، ولذلك ولدت الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين كتجمع جبهوي لبضعة تنظيمات فلسطينية مقاتلة وملتزمة أسلوب الكفاح المسلح وحرب التحرير الشعبية. لكن، بعد أعوام قليلة برزت خلالها انقسامات وصراعات فكرية وسياسية كثيرة احتل موضوع «الانتماء» فيها مكانا بارزا، حُسم الأمر واتجهت الجبهة الى ان تصبح حزبا ثوريا مقاتلا متسلحا بالنظرية الماركسية ـ ال لينين ية.

وكما كان لجورج حبش دور رئيسي في تأسيس حركة القوميين العرب بعد نكبة ,1948 كان له ايضا الدور نفسه في تأسيس الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين بعد هزيمة .1967

حمل التوجه الجديد في الساحة الفلسطينية، بعد تلك الهزيمة، إمكانات ايجابية كثيرة وأخرى سلبية عديدة، ولا يوجد عاقل لا يعترف الآن، وبعد أكثر من اربعين عاما، بأن المحصلة كانت على العموم سلبية على الرغم من التضحيات الهائلة التي قدمها كل من الشعبين الفلسطيني والعربي في لبنان و مصر وسورية. وفي هذا المجال يبرز دور جورج حبش في أنه كان نموذجا من القادة القليلين الذين اتسمت قيادتهم باستمرار النضال من أجل تعزيز العوامل الايجابية ومحاربة العوامل السلبية. ومن الممكن تحديد دوره الايجابي عبر عرض سريع للتوجهات الثلاثة التي تكرست نتيجة هزيمة .1967
كانت حركة «فتح» من أوائل مَن طرح فكرة عدم جدوى خوض الصراع مع اسرائيل بأسلوب حرب الجيوش النظامية، وان من الضروري التزام حرب التحرير الشعبية. وكان العامل الايجابي في هذا الطرح هو أنه يتضمن قراءة واقعية لميزان القوى بين الطرفين، لكنه في الوقت نفسه، كان مبنيا على تناقض صارخ تمثل في ان «فتح» طرحت مقولة «عدم التدخل في الشؤون العربية» في الوقت نفسه الذي بدأت بتكوين سلطة فلسطينية مقاتلة على الأراضي العربية، الأمر الذي كان لا بد من ان يقود الى الاصطدام بسلطة الأنظمة العربية المعنية، وهذا ما حدث فعلا في الحروب الأهلية التي اندلعت في الأردن ولبنان. وفي هذا المجال يمكن تسجيل نقطتين مهمتين: الأولى، هي أنه بينما ارتكبت الفصائل الفلسطينية جميعها، بما فيها الجبهة الشعبية، أخطاء وتجاوزات وحماقات كثيرة في تلك الحروب، الا انه من الممكن القول ان نصيب الجبهة الشعبية من تلك الاخفاقات كان الأقل. أما النقطة الثانية فهي ان التحالفات التي عقدتها الجبهة الشعبية خلال تلك الحروب كانت خاضعة بصورة صارمة لتوجه الجبهة الأساسي ضد قوى الامبريالية الأميركية والرجعية العربية. وهذا لم يكن الحال بالنسبة الى بقية الفصائل الفلسطينية.

في هاتين النقطتين كان لقيادة جورج حبش دور رئيسي في حسم خيارات الجبهة وعدم الانجرار وراء الممارسات الخطأ التي شاعت في المشهد الفلسطيني.

ان موضوع التوجه نحو إعطاء الشعب الفلسطيني الدور المحوري في تحرير أرضه، واعتبار ان الدور العربي لا يتخطى دور الدعم والمساندة، انطوى في البداية على عوامل ايجابية كثيرة تتمحور حول تعريف العالم بالقضية الفلسطينية كقضية تخص شعبا محروما من مزاولة حقه في تقرير المصير، وأنها ليست مجرد قضية لاجئين. وقد حقق النضال الفلسطيني في هذا المجال انجازات مهمة، وخصوصا بعد اعتراف الجامعة العربية بمنظمة التحرير الفلسطينية ممثلا شرعيا وحيدا للشعب الفلسطيني، وكذلك اعتراف الأمم المتحدة بها ومنحها صفة مراقب. وعلى العموم، نجحت منظمة التحرير في تكريس مكانتها في العالم كحركة تمثل شعبا يخوض معركة التحرر الوطني.

لكن في الوقت نفسه، كانت هناك ممارسات من جانب قيادة «فتح» التي احتكرت قيادة المنظمة طوال الوقت، وأدت الى فك ارتباط القضية الفلسطينية بالقضية القومية، والى حصول تلك القيادة على حرية اتخاذ القرارات وتقديم التنازلات، وهو ما قاد أخيرا الى اتفاق أوسلو والاعتراف باسرائيل من دون ان تعترف هذه الاخيرة بحق الشعب الفلسطيني في تقرير المصير، والى الكيان المشوه الذي نجم عن ذلك الاتفاق، والكوارث الداخلية والخارجية التي عصفت، وما زالت، والتي لا نرى حاجة هنا الى الدخول في تفصيلاتها. وقد تصدت الجبهة الشعبية دائما لتلك الممارسات، وكان جورج حبش خلال سبعينيات وثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي، من أشد المعارضين لنهج القيادة غير المسؤول في منظمة التحرير، ومن أشد الداعين الى اعادة بناء أجهزة المنظمة على أسس ديموقراطية سليمة تحررها من قبضة القيادة الفردية، وتحرر مؤسساتها وأجهزتها من استشراء داء الفساد والفوضى واللامبالاة.

لكن الجبهة الشعبية لم تكن في وضع يسمح لها باحداث التغيير المطلوب في الساحة الفلسطينية، لأن حجمها كان صغيرا ونفوذها بين الناس أقل كثيرا من نفوذ «فتح»، الأمر الذي سبب الانشقاقات التي حدثت فيها وأدت الى انفصال الجبهة الشعبية ـ القيادة العامة، ثم مجموعة أحمد زعرور، ثم الجبهة الديموقراطية. بالاضافة الى ذلك، كان تبني الايديولوجيا الماركسية اللينينية بشكل صارخ ومتشنج هو الذي أدى، أساسا، الى إضعافها، ومنعها من ان تتطور لتكون ممثلة للمجرى الرئيسي لحركة التحرر الوطني الفلسطيني، وكرس وجودها كفصيل جانبي متطرف.

ان التوجه الماركسي الذي سارت فيه الجبهة الشعبية بعد هزيمة ,1967 والمبني على أساس أن الهزيمة حدثت بسبب تسلم الطبقة البورجوازية الصغيرة قيادة حركة التحرر العربي، شكّل في جوهره قراءة مغلوطة للواقع العربي في تلك الفترة. لقد كان من أسباب عدم قدرة حركة التحرر العربية على ان تنجز مهمات التحرر الوطني غياب الممارسة الديموقراطية في صفوف انظمتها وأحزابها، وليس صحيحا ان هناك طبقات مؤهلة للممارسة الديموقراطية وأخرى غير مؤهلة.

وفي هذا المجال، يبدو من الانصاف القول ان تحول الجبهة الشعبية في الاتجاه الايديولوجي المتشنج ما كان ليتم على الشكل الذي تم به من دون تبني جورج حبش ذلك الاتجاه ودعمه له. وفي الوقت نفسه. فإن دواعي الانصاف تقتضي القول ان حبش قام، بعد ذلك، بدور محوري في ترشيد ذلك الاتجاه، وتحريره من الجمود الايديولوجي، وتطويره ليتم استخدامه كمنهج جدلي لدراسة الواقع بأسلوب منفتح وخلاق(1)، وهذا يعود الى صفتين اتصف بهما طوال حياته. الصفة الأولى انه لم يكن من الناس الذين يرتاحون الى النظرة الأيديولوجية الضيقة، فهو في طبعه وثقافته يمتلك حس التلميذ القادر دائماً على الانفتاح على المعطيات الجديدة ومراجعة الأفكار القديمة. أما الصفة الثانية فهي انه كان يصوغ آراءه ومعتقداته، استنادا الى الدروس التي يستخلصها من الأحداث، لا من الكتب والنظريات الفكرية، فأحاديثه كلها التي أدلى بها تدل بوضوح على ان تطوره الفكري تم بتأثير الانفصال (1961)، والهزيمة (1967)، وحرب رمضان (1973)، والانتفاضة الأولى (1987) واتفاق أوسلو (1993). ومن المهم ان ندرك ان قدرة جورج حبش على استخلاص الدروس والعبر السليمة من تلك الأحداث تعود الى أنه، طوال تلك السنوات، لم يكن يوجد في أي موقع فيه مصالح ذاتية تتعارض مع استخلاص الدروس الموضوعية من الأحداث. ومما لا شك فيه ان ذلك التطور ساهم في تصحيح نظرة الجبهة الى معضلة حركة التحرر العربي، وفي فهم الدور المركزي للنضال من أجل الديموقراطية، ففي أحد أحاديثه لخص جورج حبش تلك النظرة بقوله: «لا يمكن تعبئة الجماهير الا من خلال الديموقراطية... بل ان قدرة الجماهير على القيام بدورها في التقدم والدفاع عن أهدافها ومصالحها، مرتبطة بحريتها وتفجير كطاقاتها وابداعاتها؛ وهذا غير ممكن من دون حياة وقيم ديموقراطية. فالديموقراطية والحرية هما الشرط للسير نحو الوحدة والتطور والتنمية واستثمار إمكانات الأمة في مواجهة اعدائها القوميين، وليس العكس». وفي مكان آخر يقول: «لا يجوز ان يكون هناك اي شيء على حساب الديموقراطية. ولا يمكن للشعب ان يحقق أهدافه الكبرى الا من خلال الحياة الديموقراطية»(2).

ومما لا شك فيه ان الجبهة الشعبية سارت خطوات مهمة على طريق بناء اجهزتها بطريقة ديموقراطية، فهي تعقد دائما مؤتمرات دورية، وتنتخب هيئاتها من القاعدة الى القمة، كما تمارس عملية النقد الذاتي لسياستها باستمرار. ولقد كان من نتائج هذه الممارسة الديموقراطية تعاقب ثلاثة أمناء عامين على قيادة الجبهة. ومن المهم ان نلاحظ ان حبش لم يتنحَّ عن قيادة الجبهة رغبة في التقاعد، بل انه ترك المهمات القيادية المباشرة لانه ادرك ان عليه القيام بمهمات اخرى. وقد حدد تلك المهمات عند بلوغه السبعين بقوله:

«اولا، اريد ان اسجل تجربتي، اي ان اكتب مذكراتي وان اتوقف خاصة امام الاخطاء.
ثانيا، اريد انشاء مركز دراسات، عنوانه: لماذا هزمنا؟»(3)
وقد أسس فعلاً، بعد ذلك بأعوام، «مركز الغد العربي للدراسات» الذي تحددت مهمته في البحث في القضايا الاستراتيجية العربية، وفي القلب منها القضية الفلسطينية، وفي تقديم أبحاث جادة ومعمقة من وجهات نظر متعددة بأفق قومي عربي جديد، على امل النهوض بالفكر القومي العربي التقدمي الديموقراطي.

ويتضح من أحاديث حبش عن المركز ان تركيزه كان منصباً على ثلاث قضايا مهمة: الاولى هي قضية الديموقراطية في جوانبها النظرية والتطبيقية، وعلاقاتها بالنظام الاقتصادي، بالإضافة الى موضوع العدالة الاجتماعية والرأسمالية والاشتراكية والليبرالية. والقضية الثانية هي قضية الوحدة العربية التي يرى انه يجب دراستها بأسلوب جديد يبتعد عن العواطف، ويراعي خصوصيات مختلف البلاد العربية، ويكرس أسلوب الوحدة بالتدريج في المجالات التعليمية والاقتصادية والسياسية ودور الممارسة الديموقراطية في ضبط ايقاع الخطوات الوحدوية. أما القضية الثالثة فهي دراسة الصهيونية بأسلوب يبتعد عن النظرة الاحادية التي ترى في الصهيونية حركة واحدة متجانسة، وينحو في اتجاه الاسلوب العلمي كي يتم فهم التطور التاريخي للحركة، وبالتالي تكوين فكرة سليمة عن حاضرها الراهن في جميع مقوماتها ومختلف اطيافها السياسية من اقصى اليمين الى اقصى اليسار. بشكل محدد فإنه يقول: «يجب ان نفهم الصهيونية بعمق وتجرد. نفهم كيف تطورت، نفهمها كما يفهمها نتنياهو، زائد كيف يفهمها شمعون بيرس، زائد كيف تفهمها حركة ميرتس... زائد كيف يفهمها بعض اليهود الذين فعلا لديهم عقل وضمير، وبالتالي يقولون انه يجب ان نتعايش مع الفلسطينيين من خلال دولة فلسطينية ديموقراطية»(4)

في الواقع، يمكن النظر الى هذه القضايا الثلاث على انها النواة الحقيقية لتجديد المشروع القومي العربي على اساس ديموقراطي يعتمد الاسلوب العلمي طريقة ومنهجاً.

ومن المهم ان نلاحظ ان السير في هذه الاتجاه لم يكن تعبيراً عن تجربة النضال الفلسطيني كما تمثلت في تجربة الجبهة الشعبية فحسب، بل انه يمثل ايضاً، والى حد بعيد، تجربة النضال الفلسطيني ككل. واذا دققنا في تجربة الفلسطينيين الذين لم يغادروا فلسطين وعاشوا تحت الحكم الاسرائيلي، فإننا نرى الخطوط العريضة نفسها. فتطور تلك التجربة مر ايضا بالمرحلة القومية العاطفية (منظمة الأرض) ثم بالمرحلة اليسارية والتناغم مع فصائل منظمة التحرير (الحزب الشيوعي) وصولاً الى الطرح القومي العربي بمضمون ديموقراطي (عزمي بشارة). وهكذا نرى ان الدافع الى تخلي حبش عن منصب الامانة العامة للجبهة الشعبية والمهمات القيادية المباشرة كان العمل من اجل تحقيق هدف واحد هو التحرر من اعباء القضايا اليومية والتفرغ كلياً لقضايا المستقبل. لقد كان دوماً مسكوناً بهموم المستقبل؛ المستقبل الذي لا يأتي من فراغ، بل من تراكمات الماضي وإرهاصات الحاضر. كما كان يجمع في شخصه تجربة كل من حركة القوميين العرب، والحركة الناصرية، والشعب الفلسطيني في الاربعين عاماً الماضية. وكان متفائلاً.

تحدث جورج حبش في أحد المؤتمرات في سنة 1972 عن ان الجبهة الشعبية تعيش ظواهر المراهقة اليسارية والنزعة الانتهازية اليسارية.
محمود سويد، «التجربة النضالية الفلسطينية: حوار شامل مع جورج حبش»، سلسلة مرجعيات رقم 3 (بيروت: مؤسسة الدراسات الفلسطينية، 1998)، ص 19ـ.20
مجلة «الشراع»، 7 تموز/ يوليو .1997
المصدر نفسه.
زمـن الحكيـم (أيـام جـورج حبـش)

ثانيا
ما هي الصفات الشخصية التي نعرفها عن هذا الإنسان الاستثنائي؟

تعرفت الى جورج حبش وأنا في المدرسة الثانوية في سنة .1954 فقد كنت أنا ومجموعة من التلاميذ الفلسطينيين والسوريين في دمشق، أعضاء في جمعية سرية تناضل من أجل تحقيق الوحدة العربية وتحرير فلسطين، وكنا رأينا أعدادا من نشرة كانت توزع دوريا في المخيمات والمدارس الفلسطينية وتحمل اسم «الثأر» وتصدرها هيئة «مقاومة الصلح مع إسرائيل»، كما كنا متلهفين الى معرفة ما هي تلك الهيئة وكيف يمكن الاتصال بأعضائها. وفجأة وجدت أخي عصام، وكان قد تخرج حديثا من الجامعة، يحدث والديّ عن شخص يدعى الدكتور جورج حبش باعتباره القائد البارز لحركة سياسية جديدة تدعى «الشباب القومي العربي»، وأنه كان يصدر مجلة «الرأي» في عمان، لكنه، بعد ان أغلقتها الحكومة الاردنية ولاحقته، حضر الى دمشق، وهو يقوم حاليا مع مجموعة من الشباب القومي العربي بالإعداد لإصدار المجلة في دمشق.

بعد نحو أسبوعين، بدأت مجلة «الرأي» تصدر في دمشق، وبدأ أخي عصام مع مجموعة من الشباب القومي العربي يعقدون اجتماعا أسبوعيا في بيتنا بصفتهم هيئة تحرير المجلة، فتعرفت الى الدكتور جورج حبش وهاني الهندي وعدنان فرج وفيصل الخضراء وغسان محاسني وثابت المهايني والحكم دروزة وبقية المجموعة، وكُلّفت مع بقية أعضاء الجمعية بتوزيع خمسين عددا من نشرة «الثأر» على طلاب المدارس، وبيع خمسة وعشرين عددا من مجلة «الرأي» للأصدقاء.

دُعيت بعد ذلك أنا وعدد من أعضاء الجمعية إلى تأليف حلقة من حلقات «الشباب القومي العربي»، وكان ذلك بداية انتسابي مع بعض أعضاء الجمعية الى حركة القوميين العرب، كما كان بداية زياراتنا اليومية لمقر مجلة «الرأي». وكان المقر عبارة عن غرفتين صغيرتين في الطبقة الرابعة من مبنى في شارع جمال باشا يقع في مقابل مبنى الهاتف الآلي، وهناك تعرفت الى غسان كنفاني وكان أنهى الدراسة الثانوية ويعمل مدرسا في الكويت، كما تعرفت إلى بلال الحسن وكان مثلنا لا يزال في المدرسة الثانوية. وكنت أنا وأحمد خليفة وبلال الحسن وقتادة الشريف وبضعة أصدقاء آخرين نهتم بالأدب والثقافة بصورة خاصة، فألفنا رابطة «الأدب والحياة»، وأخذنا نقوم بالإشراف على تحرير الصفحة العاشرة في مجلة «الرأي» الخاصة بالشؤون الثقافية، وهو ما جعلنا، تقريبا، نداوم يوميا في مكتب المجلة.

منذ البداية، كنا نشعر بمعنى خاص للساعات التي نمضيها هناك، ولا سيما حين يكون الدكتور جورج موجودا، وكان اسمه قد أصبح بالنسبة إلينا «الحكيم»، وهو الاسم الذي ينادي به الفلاحون في فلسطين طبيب الصحة.

كان في شخصية «الحكيم» جاذبية مميزة آسرة لأنك تشعر فور التعرف إليه بأنك تعرفت الى شخص مهم وغير عادي سيكون، في الوقت نفسه، صديقا لك، ومن دون حواجز بينك وبينه. لقد رأينا في شخصيته مزيجا ساحرا من النشاط والعفوية والأصالة لم نعهده من قبل.

وكان دائم الحركة والنشاط. فخلال وجوده في مكتب «الرأي» كان يمضي وقته كله في الكتابة او القراءة او الحديث مع الزوار، وعندما ينتهي، يترك المكتب لمزاولة نشاط آخر. ولا أعتقد أنني رأيته في تلك الأيام مرة واحدة جالسا من دون أن يكون منهمكا في عمل ما، كما كان يكرس طاقاته وإمكاناته كلها في أي عمل يقوم به مهما يكن ذلك العمل، وهو ما كان يشيع جوا من الحركة والنشاط من حوله، فترى الذين يعملون معه يجهدون ليقدموا ما عندهم من طاقات وإمكانات.

بالإضافة الى ذلك، كان عفويا وبسيطا في كل ما يقوم به، فعندما كان يتناول الطعام، مثلا، في مكتب «الرأي»، كان يجلس مع الشاب الذي يعمل أجيرا في المكتب ويأكل معه. وفي ذات مساء كنت وإياه وحيدين في المكتب وجاء أحد رجال السياسة فعرفني إليه وأشركني في الحديث الذي دار معه على الرغم من كون ذلك الزائر زعيم كتلة برلمانية كبيرة في مجلس النواب السوري وأنا طالب في المدرسة الثانوية.

وفي إحدى الأمسيات كنت في المكتب وحيدا أراجع بعض مواد الصفحة العاشرة، وكان الحكيم في الغرفة الأخرى يكتب المقالة الافتتاحية للعدد الجديد من المجلة. دخلت عليه لأرى إذا ما كان قد انتهى من كتابة المقالة كي أرسلها الى المطبعة في طريق عودتي إلى البيت، فوجدته يمسح دموعه بأصابع يده، وعندما لاحظ أني رأيت ذلك ابتسم وقال إن من عادته ان تدمع عيناه عندما يكون منفعلا من شيء ما، ثم تابع الكتابة. وبعد يومين صدر عدد «الرأي» الجديد وفيه افتتاحية عن المجازر التي ارتكبتها إسرائيل بحق الشعب الفلسطيني.

وكان في أحاديثه السياسية أكبر من السياسة. فعندما كان يتحدث عن القومية العربية كنت تشعر كأنه عاش في الزمن العربي الذهبي وبأنه يعرف أبطال التاريخ العربي كلهم معرفة شخصية.

وعندما كان يتكلم على الوحدة العربية كنت تحس كأنه سافر الى المستقبل العربي وعاش في دولة الوحدة ثم عاد ليحدثنا عما رآه. أما عندما يتحدث عن فلسطين فتحس كأنه ما زال يعيش فيها، ولم يتركها لحظة واحدة.

كان واضحا ان حديث الحكيم يحرك في أعماقنا شيئا ما، كما كان جليا ان تصرفاته تستنهض في نفوسنا طاقة ما. ولهذا أحببناه وأصبح كل واحد منا يعتقد ان الحكيم صديقه الشخصي.

في ربيع سنة 1956 شاركت في مخيم أقامه «الشباب القومي العربي» في برمانا في لبنان، فتعرفت الى شبان لبنانيين وعراقيين وفلسطينيين من الضفة الغربية، ووجدت ان الذين يعرفون الحكيم يتحدثون عنه بحرارة وحب، وهو ما يشير الى أنهم يشاركونني الشعور نحوه.

سافرت في مطلع 1959 للدراسة في الولايات المتحدة، وبعد حصولي على الماجستير عدت الى البلاد العربية لعامين، ثم سافرت الى كندا حيث حصلت على الدكتوراه وعملت استاذا في احدى الجامعات الكندية التي لا أزال أعمل فيها حتى اليوم. وطوال تلك السنوات، باستثناء فترة 1970 ـ ,1975 لم أنقطع عن رؤية الحكيم والتواصل معه باستمرار.

خلال الثمانينيات والتسعينيات من القرن الماضي، كان الحكيم يقيم مع أسرته بدمشق، وفي أثناء زيارتي السنوية لأهلي كل صيف كان أخي أسامة (وهو من أقرب أصدقاء الحكيم منذ سنة 1956) يخبرني عن موعد لقائنا معه ونحن في الطريق من المطار الى البيت، ففي كل زيارة لدمشق كنت ألقاه عدة مرات، كما أنني التقيته في بيروت وعمان والكويت. وأحب هنا ان أتوقف عند أربع مناسبات فقط من تلك اللقاءات:

كانت المناسبة الأولى في بيروت في صيف سنة ,1975 وكنت قادما من كندا مع بدايات الاشتباكات التي أدت الى الحرب الأهلية، فذهبت على الفور مع الصديق نوبار لرؤية الحكيم في مقر الجبهة الشعبية في مخيم شاتيلا. كنت التقيت الحكيم أكثر من مرة بعد هزيمة 1967 وبعد تأسيس الجبهة الشعبية، ثم انقطعت عن لقائه خمسة أعوام حدثت في إبانها أحداث جسام انتقل فيها الحكيم من شخصية معروفة على نطاق العالم العربي الى شخصية معروفة على اتساع العالم. ولهذا، ذهبت الى ذلك اللقاء وأنا متلهف الى معرفة ما طرأ من تغيرات على الشخصية التي كنت أعرفها في الماضي عن كثب، ثم أصبحت أتتبع أخبارها على شاشات التلفزة الأميركية وعناوين الصحف العالمية. وكم كانت دهشتي وفرحتي عندما اكتشفت ان الحكيم لم يتغير.

لا أقول ذلك لأنه استقبلني وتحدث معي كأن الزمن لم يمر بعد لقائنا الأخير، وإنما لأن حديثي معه أعادني الى اجواء السياسة التي افتقدتها منذ أعوام. ففي بداية السبعينيات من القرن العشرين، حدث تغير كبير في طبيعة أحاديث رجال السياسة في العالم العربي. لقد اختفت أجواء النقاش والحوار والتفاعل التي كانت سائدة في الخمسينيات والستينيات، وحلت محلها أجواء الخطب والمحاضرات. لم أجتمع بقائد سياسي في تلك الفترة لديه تساؤل او شك في أي موضوع. كانت عملية الاستماع الى أي سياسي عملية صعبة مملة لأنها كانت في الواقع عبارة عن استماع الى خطاب سياسي. ولهذا، عندما وجدت الحكيم لا يزال يستمع أكثر مما يتكلم، ويطرح موضوعات تشغل باله وتثير في ذهنه تساؤلات، علمت انه ما زال قادرا على الشعور بالدهشة والحماسة لأفكار جديدة، وشعرت براحة نفسية كبيرة.

تحدثنا وتناقشنا وتناقلنا أخبار الأصدقاء المشتركين، وعندما هممت بالانصراف، وكانت الساعة قاربت العاشرة ليلا، قال إنه ذاهب أيضا الى البيت ويستطيع ان يوصلني بسيارته إلى الفندق. في الطريق، ونحن نمر بمنطقة شديدة الازدحام، توقفت السيارة بسبب عطل مفاجئ في احدى عجلاتها، فنزلنا منها ووقفنا على الطريق ننتظر ان يفرغ السائق من عملية تركيب عجلة أخرى. تبادلت مع نوبار نظرات قلق وترقب خوفا على سلامة الحكيم، بينما راح هو يتابع الحديث الذي كان بدأه في السيارة، وكان يسألني عن رأيي في مشكلة التضخم المالي التي كانت تعصف بالاقتصاد الأميركي في ذلك الوقت، ومن دون أن يبدو عليه أي قلق او ترقب.

ومع ذلك، عندما خلوت إلى نفسي في الفندق وجدت أن الحياة في خضم الأحداث والشهرة الإعلامية أحدثت تغييرا ما في شخصية الحكيم. لقد رسمت على وجهه مسحة حزن لم أعهدها في السابق. وأذكر أني ظللت لأيام، بعد ذلك، أسائل نفسي: هل جاء ذلك الحزن من أحداث السنين الماضية، أم أنه نذير الأعوام المقبلة؟

المناسبة الثانية كانت في صيف سنة 1980 في دمشق، عندما كنت أزور أهلي. ذات يوم جاء أخي أسامة مهموما وأخبرني ان وعكة صحية مفاجئة ألمت بالحكيم، وأنه سيحضر في المساء من بيروت الى دمشق لاجراء الفحوصات الطبية.

حضر الحكيم الى بيت أسامة في المساء ومعه زوجته هيلدا وأحد أصدقائه من الأطباء اللبنانيين. وعلى الفور أخذ يتحدث معي كعادته، بينما دخل أسامة وهليدا والطبيب غرفة أخرى لاجراء الاتصالات بالأطباء والمراكز الصحية من أجل الحصول على مواعيد إجراء الفحوص، وبعد أن فرغوا من ذلك انضموا إلينا واشتركوا في الحديث الدائر عن أوضاع المقاومة في لبنان.

في منتصف الليل تركت منزل أسامة عائدا إلى بيتنا وقد نسيت تماما ان الحكيم يعاني عارضا صحيا حتى إنه عندما سألني أبي عن وضعه الصحي لم أستطع ان أزيد على ما قاله لنا أسامة قبل ان ألتقيه. وتكرر ذلك الموضوع في ما بعد أكثر من مرة. ففي كل مرة أذهب لأرى الحكيم وفي نيتي الاطمئنان الى صحته، أعود وأنا أفكر في أشياء أخرى لا علاقة لها بصحته. وفي احدى تلك المرات أبديت لأخي أسامة استغرابي من ذلك الوضع، فابتسم وقال: «هكذا هو الحكيم». وبعد فترة تأمل أضاف قائلا:

«كل من خاض تجربة التعذيب في السجون العربية يدرك أن السجين ينتصر في تلك التجربة على سجانيه عندما ينجح بينه وبين نفسه في عدم التفكير في مصير جسده باعتبار أنه فقد السيطرة عليه كليا وأصبح تحت سيطرة السجان. إن القدرة على ذلك التصرف تمنح صاحبها قوة لا متناهية من العزيمة والإصرار والقدرة على الصمود والتحدي... وبالمنطق نفسه، فإن الذي يميز الحكيم من غيره من القادة هو قدرته منذ البداية على حسم موضوع الشأن العام والشأن الخاص. فهو قادر على التصرف بدون أي اهتمام بقضاياه الشخصية، سواء أكانت مادية أم صحية، ولقد منحه ذلك التصرف قدرة هائلة على الاحتفاظ بمبادئه وقيمه وأخلاقه تحت أقسى الأوضاع...».

أما المناسبة الثالثة فكانت في صيف 1982 وفي دمشق ايضا. فقد أبحرت سفن المقاومة من بيروت بعد الحصار التاريخي الذي استمر ثلاثة أشهر، ووصلت السفينة التي تقل الحكيم الى شاطئ طرطوس، وجاء هو والمقاتلون الى دمشق.

لن أنسى أبدا لقاءه زوجته هيلدا وابنتيه ميساء ولمى. وكانت هيلدا ولمى تركتا بيروت وحضرتا الى دمشق قبل ذلك بأيام، ثم انضمت اليهما ميساء التي حضرت من المانيا الشرقية حيث كانت تدرس الطب في احدى جامعاتها. وفي تلك الأمسية تعرفت الى جانب من شخصية الحكيم لم أكن أعرفه في السابق وهو ما يتعلق بحياته العائلية.

كان في عيني كل من هيلدا وميساء ولمى فرحة حب جارفة خُيّل إليّ يومها أنه قادر على حماية الحكيم من شرور الأرض كلها، وخصوصا وأنا أرى ذلك الحب يكبر ويتضاعف في عيني الحكيم. بين العناق والقبل رأيته يمسح دموعه فعدت أعواما الى الوراء عندما كنت أراه يفعل ذلك وهو يكتب افتتاحية مجلة «الرأي».

كان واضحا لي أن الحكيم لم يكن يعتقد أنه سيخرج من بيروت حيا فيرى هيلدا وميساء ولمى مرة أخرى، فقد كان في عينيه فرح طفولي وكان مرحا ومتحمسا للكلام والحديث بطريقة اعادت الى ذاكرتي الحكيم كما عرفته في الخمسينيات. روى لنا قصصا حدثت في حصار بيروت عن بطولة المقاتلين، وعن امتنانه لبعض الأصدقاء ولتصرفاتهم ومواقفهم معه في الأوقات الحرجة، ثم انتقل بصورة عفوية وطبيعية الى الحديث عن عبد الناصر ولقائه الأول به، وذكر عشاءه معه في بيته في منشية البكري في القاهرة، وكيف كان يعيش في منزل بسيط ويرتدي ثيابا بسيطة ويتناول عشاء بسيطا ويتحدث بعفوية ودفء.

في الأيام التالية كان الحكيم يستقبل الزوار الذين حضروا ليسلموا عليه ويهنئوه بسلامة الخروج من الحصار. وكان بعض الزوار يسأله عن تصرفات بعض القادة الفلسطينيين في أثناء الحصار، وفي السؤال تلميح واضح يغمز من صلابة أولئك القادة. ومرة تلو الأخرى كان الحكيم يدافع عن الجميع ويرفض التعريض بأي واحد منهم، وأبعد ما وصل إليه هو القول ان الوضع لم يكن عاديا وإنما كان صعبا وبالغ التعقيد، ولذا يجب أخذ ذلك في الاعتبار عند تقويم تصرفات الآخرين.

تذكرت وأنا أستمع إلى رفض الحكيم المتكرر التعريض بتصرفات الآخرين كلمة قالها والدي قبل اكثر من عشرة أعوام وهي أنه لم يسمع الحكيم قط يتحدث بصورة شخصية عن أي إنسان آخر، وعدت بذاكرتي أحاول أن أعثر على استثناء لذلك فلم أجد. نعم، كان دوما يهاجم المواقف السياسية لكثير من القادة، لكنني لم أسمعه قط يتكلم بأسلوب التجريح الشخصي.

بعد أيام بدأت ألتقي الحكيم منفردا، وفي تلك اللقاءات ذكر لي، لأول مرة، أنه يفكر في أن يتنحى عن منصب الأمانة العامة للجبهة الشعبية في أول فرصة يجدها ملائمة. وشرح لي انه ينوي القيام بذلك لسببين: الأول، اعتقاده ان على القائد السياسي فسح المجال أمام العناصر الشابة بعد بلوغه الستين. والثاني، رغبته في ترك المسؤوليات اليومية والتفرغ لدراسة المراحل الماضية من النضال وتقويمها من أجل استخلاص الدروس والعبر منها. فقد كان مؤمنا بأن تجارب الماضي منذ بداية حركة القوميين العرب كانت تجارب غنية يجب دراستها ونقدها واستيعاب دروسها، كما يجب مواجهة المستقبل بثقة لا تتوفر إلا بعد هضم دروس الماضي كلها.

ما أثار استغرابي في تلك الجلسات هو حماسة الحكيم للدور الجديد الذي يطمح الى ممارسته وتكريس وقته له، وهي حماسة تنبع من كونه، اولا وقبل أي شيء آخر، تلميذا يحب ان يتعلم اشياء جديدة.

أما المناسبة الأخيرة فكانت قبل أشهر، وهي متعلقة بلقاء لم يتم في دمشق.
كنت في بيروت في أيلول/ سبتمبر 2007 عندما اتصل بي الحكيم من عمان وطلب مني لقاءه في دمشق من أجل التشاور في موضوع يخص أحد مشاريع مركز «الغد العربي للدراسات». ذهبت الى دمشق واتصلت به في عمان، لكنه لم يتمكن من الحضور إلا بعد يوم من عودتي إلى بيروت، فاتفقنا على اللقاء مرة أخرى بعد شهر.

وعندما ذهبت إلى دمشق في المرة الثانية وسألت أخي أسامة عن موعد مجيء الحكيم، فاجأني بقوله انه لن يتمكن من الحضور لأن وعكة صحية ألمت به. سارعت الى الاتصال به هاتفيا فردت عليّ هيلدا وشرحت لي وضعه الصحي، ثم أعطته سماعة الهاتف ليتكلم معي فتصرف كعادته التي أعرفها جيدا. لم يذكر كلمة واحدة عن مرضه بل راح فورا يناقشني في فحوى رسالة كنت كتبتها له من بيروت بالاشتراك مع أحمد خليفة ومحمود سويد تخص موضوعا كان كلفنا به. ثم بدأ يتحدث معي عن موضوع آخر يخص مركز «الغد العربي» كان طلب مني ومن بلال الحسن الاهتمام به. ويبدو ان حماسة الحكيم انتقلت إليّ فأخذت أتكلم بقوة وبتصميم، وفي النهاية قلت له مازحا: ها نحن يا حكيم، بلال وأحمد وأنا نعمل معك كما كنا أيام «الرأي». فانفجر بضحكة مجلجلة أعادتني فعلا الى أيام الشباب في أواسط الخمسينيات يوم كنت مع أحمد وبلال مسؤولين عن تحرير الصفحة العاشرة من مجلة «الرأي».

وضعت سماعة الهاتف وأنا أشعر بالفرح والسعادة، وتذكرت على الفور الإعجاب الذي كان يبديه كثيرون بقدرة الحكيم المستمرة على العمل والتفاؤل تحت أقسى الأوضاع.
ثالثا

كان كثيرون ممن تعاملوا مع الحكيم في الأعوام الأخيرة يدهشون من قدرته على الاستمرار في العمل اليومي ساعات طوالا في «مركز الغد العربي للدراسات» الذي أسسه وتفرغ له مباشرة بعد تخليه عن منصب الامانة العامة للجبهة الشعبية، وهو الذي جاوز الثمانين ويشكو وضعا صحيا صعبا.
وفي هذا المجال، أود ان اقول ان كل من عرف الحكيم عن قرب كان يعرف انه، الى جانب حسه الوطني المرهف واستعداده للتضحية من دون حدود، كان يحب عمله ويتمتع بتأديته على افضل وجه. فالعمل السياسي لديه لم يكن، كما كان لدى بعض الساسة الآخرين، التزاما تورط فيه في زمن الشباب والحماسة والبراءة، ثم لم يستطع التحرر منه بعد ذلك لانه وجد نفسه من دون مهنة اخرى تؤمن له ما يحصل عليه من العمل السياسي. ففي مراحل حياته كلها كان العمل السياسي لديه ناجما عن اختياره الحر اذ كان يملك دوما بدائل اخرى (لقد كان الاول في صفه عندما تخرج من كلية الطب في الجامعة الاميركية وبدأ حياته طبيبا، ثم ما لبث ان كرس عيادته لمعالجة المحتاجين من المرضى). ولذلك كان يمارس العمل السياسي بحب وشغف وتفاؤل. وأهم من ذلك، كان الحكيم، في العمل السياسي، يمثل حالة نادرة هي انه كان يعرف من هو، وماذا يريد، وما هي حدود دوره.

كان مناضلا ثوريا يعيش مرحلة الثورة المضادة، اي انه يعيش خارج شرعية الامر الواقع. وكان يريد ان يغير ذلك الواقع عن طريق تهيئة الاوضاع الموضوعية للقيام بحركة نهوض وطني شاملة تسحب الارض من تحت قوى الثورة المضادة. وكان يؤمن بحتمية الانتصار في تلك المهمة التاريخية مهما يطل الزمن، كما كان مدركا، في الوقت نفسه، ان ذلك الانتصار يحتاج الى اعوام، وانه شخصيا لن يعيش ليشهد زمن الانتصار. كان ايمانه العميق بأن ما يقوم به، يوميا، لتقريب ذلك الزمن كاف لان يمنحه الشعور بالرضى والحرية والسلام، هذا الشعور الذي كان نابعا من فهمه العميق لحركة التاريخ الانساني. فقد كان يؤمن بأن حركة التاريخ تسير، في المحصلة الاخيرة، الى الامام في اتجاه الحرية والتقدم، وان كانت احيانا تسلك طريقا متعرجا فيه انكفاء وتراجع. وكان ذلك الايمان يحميه من صقيع الزمن الرديء الذي نمر به، ويبعث في ضميره القدرة على تحدي هذا الزمن، والاصرار على النضال للوصول الى زمن تنتصر فيه مبادئ الحرية والعدالة والسلام.

كان من القلة النادرة التي تعيش دائما في المركز الحقيقي للأحداث، في قلب ارهاصات الثورة الانسانية المستمرة، ولهذا كان صوته يصل الى الفلسطينيين كلهم في المدن والقرى والمخيمات فيسمعون فيه صدى ما يجيش في قلوبهم وعقولهم ووجدانهم من ايمان وإصرار وتمسك بالعودة الى فلسطين.

كان صوت الحكيم صافيا مجانسا لموجات الاصوات الحقيقية التي تسمعها عندما تبرق العاصفة في جبل الجرمق فتضيء في سطور غسان كنفاني، وتلمع في أبيات محمود درويش، وتتلألأ في لوحات اسماعيل شموط، وتتفجر في خطوط ناجي العلي . ذلك الصوت الذي هو الصدى المدوي لصوت لا يكاد يسمع في هذا العالم هو صوت يتامى وأرامل وثكالى مخيمات جنين وجباليا وبلاطة والامعري وصبرا وشاتيلا وقرية قانا، الخ.

لقد تمكن الحكيم من الاحتفاظ بذلك الصوت طوال ستة عقود لانه كان يتمتع بصفة نادرة لا يتمتع بها الا الشعراء العظام، هي القدرة على سماع أصوات الصمت.

وهكذا أثبت جورج حبش انه اعظم الشعراء على الاطلاق، فقد سرق ضمير الشعب الفلسطيني طوال النصف الثاني من القرن العشرين.


التعليقات المنشورة تعبر عن رأي أصحابها


الأسم *
البريد الألكتروني
البلد *
التعليق *
رمز الحماية: أكتب الثلاثة أرقام السوداء فقط captcha image
New Page 1