كيف تحفظ "قُطبة في ثوب" تراثَ شعبٍ بأكمله؟!

بيروت _ انتصار الدّنّان _ خاص بوابة الهدف
06-01-2019
الثقافة كما عرّفها العرب قديمًا هي الأخذ من كل علمٍ بطرف، والمثقف الفلسطيني الذي هُجّر من بلاده بفعل الاحتلال الصهيوني، ألزمه هذا الأخير على تصعيد الهوية الوطنية في مواجهة النفي والإلغاء، لذا يحرص على الحفاظ على تلك الهوية من باب التزامه بقضية شعبه، المسكونُ بها والمدافع عنها.
ولا يقتصر دور المثقّف على الوقوف عند ناصية الكلمة، على أهمية ذلك؛ فالتراث جزءٌ من الثقافة التي تمتزج بأصالة الشعوب وارتباطهم بمكان إقامتهم، حيث يتعهد المثقف بحفظ هذا التراث من خطر الاندثار أو التغييب أو التزييف والتزوير، وهذا ما نجد تجلياته الواضحة في الحالة الفلسطينية، التي تواجه احتلالاً لم يكتفِ باغتصاب الأرض وتهجير الشعب، بل يعمل بشكل دؤوب على احتلال التراث، ونسبته إليه، كجزء من الصراع الوجودي الذي يخوضه ضد الشعب الفلسطيني. وهنا ترتقي حجم المسؤولية أمام المثقف كما المؤسسة الفلسطينية، المطالَبة هي أيضًا بأن تكون على قدر عالٍ من المسؤولية أمام مهمة حفظ الوجود الفلسطيني، من بوابة حفظ التراث واستمراره مع الأجيال المتعاقبة.
وسائل المثقف الفلسطيني للحفاظ على تراثه عديدة، منها التطريز، الذي كان يُميّز الزي التقليدي الفلسطيني المعروف باسم (الثوب)، وهو قائمٌ على (الغُرزة أو القطبة) التي يتم تطريزها على قطع من القماش، لتكوين زخرفة أو رسمٍ مُعيّن.
اللاجئات في المخيمات الفلسطينية يتوارثنَ التطريز عن أمّهاتهنّ وجدّاتهنّ، وبعضهنّ يمتهنَّه، إذ يقُمنَ بإنتاج المُطرّزات ثمّ بيعها من أجل الاكتفاء المادي في ظلّ تردي الأوضاع الاقتصادية، أو يعملن في هذا المجال ضمن مشروعات تُشرف عليها مراكز مُجتمعيّة تختص بتمكين النساء والمجتمع. وفي الجوهر فإنّ الهدفُ هو الحفاظ على الهوية الفلسطينية.
تراثنا هويتنا
السيّدة حسناء، التي تعمل في التطريز من داخل منزلها بمخيم عين الحلوة للاجئين الفلسطينيين في لبنان، ورثت أسسَه من أمها وجدّتها، وتُعلّمه اليوم لطفلتها، قالت للهدف "نتعلم تراثنا للحفاظ عليه من أن يندثر بتوالي الأجيال، لذا فقد حرصَت جداتنا اللاتي هُجّرن من فلسطين بعام النكبة على تعليم التطريز لبناتهنّ وأحفادهنّ".
وتُتابع حسناء، التي تعمل في مركزٍ نسويّ مُختصّ بتعليم التطريز "إنّ أوّل ما تتعلمه النساء في المركز تطريز مشهدٍ يُحاكي العرس الفلسطيني، للتأكيد على الهوية الفلسطينية وإيصال الإرث الثقافي،ويظهر في اللوحة بعض من المراسم والعادات الشعبية التي تُرافق هذه المناسبة، مثل: حمّام العريس والحنّة والزفّة".
وعلى ذات اللوحة التي تُصوّر تفاصيل العرس الفلسطيني، يتم كذلك تطريز واحدة من الأغاني الشعبية التي كان يغنّيها الأهل لحظة خروج العروس من بيت عائلتها إلى بيت زوجها وهي "عريسنا زين الشباب زين الشباب عريسنا، عريسنا عنتر عبس عنتر عبس عريسنا، يا شمس يللي في السما عالأرض في عنا عريس، عريسنا شمس الضحى طلب العروس وما استحى، عريسنا زين الشباب زين الشباب عريسنا".
"تراثنا هو هويتنا، وهو جزءٌ من وجودنا المُستمرّ، وبمجرد أن يشاهد المرء لوحة أو ثوبًا مُطرّزًا يعلم أنّه فلسطينيّ"، كما تقول حسناء، التي علّمت طفلتها التطريز، لتصنع معظم متعلّقاتها بنفسها، بشكل وتصاميم تراثية".
مديرة مركز البرامج النسائية في مخيم عين الحلوة، ألماظة الشرقاوي، أشارت إلى أنّ كل منطقة بفلسطين تتميّز بشكل قطبة مُعين، وقبل عام النكبة كانت السيدة الفلسطينية تُعرف من أيّ منطقة هي بمجرد النظر إلى ثوبها، الذي يختلف من قرية لأخرى، وقالت "يشتهر أهلنا في فلسطين بالقطبة الفلاحي، التي كُنت أجهلها لوقتٍ طويل، قبل أن أشترك بمركز لتعليم التطريز، وتعلّمتها، إلى جانب قطبة التحرير والمناجل".
وأوضحت، خلال حديثها للهدف، أن المركز يهتمّ كثيرًا بإحياء هذا التراث، ولا يقتصر الأمر على تطريز الثوب، الذي عادةً ما يكون مُرتفع الثمن، لذا بات التطريز اليوم يشمل قطع أخرى مثل: الأوشحة والحقائب والمحافِظ الصغيرة، والبورتوكليه (الميدالية)، والعديد من الأشياء التي تتميّز بأسعار تُمكن الجميع من شرائها، لتظلّ لديه ذكرى من التراث الفلسطيني".
حفظ التراث من المحلية إلى العالمية
من المراكز الأخرى المهتمّة بالتطريز الفلسطيني، والتي تعمل في مخيّمات لبنان، مركز "تراث بلادنا" التابع لمركز التواصل الاجتماعي "أجيال". ويختص بتدريب النساء في مجال التطريز وكذلك توعيتهنّ وتمكينهنّ في المجتمع، سيّما من الناحية الاقتصادية، إذ يُقدّم المركز دعمًا ماديًا لمن يمتهنَّ التطريز.
منسقة المركز سميرة صلاح قالت للهدف "إنّ مركز تراث بلادنا استطاع المشاركة بمعارض في عدة دول، منها: فرنسا والدانمارك والفيليبين، لعرض الأعمال التراثية الفلسطينية التي تُنتجها النساء، من أجل المحافظة على إرثنا الثقافي ونشره في العالم، وإعطاء المرأة دورها الاقتصادي كي لا تكون مُهمّشة، بل مُنتِجة.
أما اللاجئة الفلسطينية اعتدال، التي تُدرّب النساء على القطبة الفلسطينية، فأكّدت على أهمّية نشر التراث الفلسطيني والتعريف والتأكيد على أنه التراث الشعبي الأصيل للشعب الفلسطيني، والحث على تناقل التراث من الأم للبنت.
وقالت إنّ "عملية التعريف بالتراث للجيل الجديد مهمٌ جدًا في إطار مواجهة الهجمة التي قام ويقوم بها العدو الصهيوني على تراثنا، منذ بداية احتلاله الأرض الفلسطينية، وادّعائه أنّ هذا التراث هو تراثه، وبهذه الطريقة يستطيع هذا الجيل تحديد هويته الثقافية وتعزيزها والحفاظ عليها".
مشاريع التطريز منتشرة في مخيمات اللاجئين الفلسطينيين بلبنان، لكنّ الحفاظ على الهوية الفلسطينية في مخيمات الشتات ليس بالأمر الهيّن نظرًا لاختلاط الهويات وليس الثقافات، فالثقافة العربية هي واحدة، لذا الحفاظ على هويتنا الوطنية بحاجة لجهدٍ كبيرٍ.
غولدا مائير في أعقاب تهجير الفلسطينيين، قالت "الكبار يموتون.. والصغار ينسون"، وهي كانت ترسم لإستراتيجيةٍ طويلة الأمد، لكن هل يستطيع الفلسطينيون أن يكونوا على هذا القدر الكبير من التحدي، وتحمل المسؤولية الواقعة عليهم في هذا الأمر؟ وهنا يحضر بقوة دور حفظ التراث والذاكرة الجمعية للفلسطينيين.


التعليقات المنشورة تعبر عن رأي أصحابها


الأسم *
البريد الألكتروني
البلد *
التعليق *
رمز الحماية: أكتب الثلاثة أرقام السوداء فقط captcha image
New Page 1