د. وسام الفقعاوي يكتب ... من تاريخ حقوق الإنسان: الاستعمار أولاً

خاص بوابة الهدف
26-10-2018
هل نكون متفائلين إن توقعنا اتضاح حقيقة مفاهيم حقوق الإنسان الغربية الأمريكية، لمن لم تكن واضحة له، بعد كل هذا الذي جرى ويجري في وضد بلادنا وشعوبها، في فلسطين، واليمن، والعراق، و ليبيا ، وسوريا، وفي كل بقعة من الوطن العربي والشرق الأوسط عموماً؟ إن لم يكن الأمر كذلك، فلعلّنا نجد، في التاريخ البعيد – القريب الإجابة الشافية، التي تبدأ أيضاً من سؤال: على جماجم وأنقاض من بنيت و شُيّدت الدولة/الولايات الغربية (المتحدة) الأمريكية؟
فمن المفيد أن نتذكر كي ننعش الذاكرة البعيدة، التي يجب أن تبقى حاضرة، كما الذاكرة القريبة تماماً، دونما انفصال، لأن الانفصال في هذه الحالة سيفقدنا قراءة المسار كاملاً، بحيث نقع في خطأ قراءته من نتائجه دون الرجوع لقراءة، وتدقيق، وتمحيص مقدماته وسياقاته، أو قواعده المؤسسة، لاكتمال البناء، الذي ليس طينياً أو اسمنتياً هذه المرة. فمقدمات وقواعد وسياقات هذا البناء الاستعماري الإمبراطوري الجنيني في حينه، بدأ بإبادة الإنسان، باسم حقوقه، وفي ذات الوقت يشُيّد بناءه من لحمه وعظامه، ويقويه ب قطر ات وحرارة الدم الذي ينزف من مسامات سكان البلاد الأصليين على مذبح هذه الحقوق، ويا لها من حقوق، تجز فيها الرؤوس وتقطع فيها الأوصال، لذلك يحق لنا أن نطرح سؤال: أي إنسان ذاك المقصود، ليجري العمل على استعادة وتحصيل حقوقه؟!
سبق أن وجد هناك في بلاد باتت تعرف ببلاد الأمريكان البيض، سكان أصليون، من طين، وبشرة، ولون الأرض. لم يكن عددهم بالآحاد أو العشرات أو حتى بمئات الآلاف، بل عشرات الملايين. من هنا تبدأ الحكاية القديمة – الجديدة لفهم خلفية وسياق مبدأ أمريكا أولاً، الملتصق بفهم خلفية وسياق مبدأ الاستعمار أولاً، فالاستعمار أولاً، لم يعترف بالإنسان خارج سياق الرؤية والبنية الاستعمارية، وبالتالي لم يعترف بأحقيته في امتلاك أرضه، فقواعد الملكية عند "الرجل الأبيض"، لا يجب أن ينافسها متخلّف أو أسود، أو إن شئتم "الأغيار"، فهم ليسوا ببشرٍ من الأساس، لأنهم أدنى بكثيرٍ من الشعوب التي اختارها الرب. فالشعوب المختارة من قبل الرب، هي قطعة منه، إن لم تكن هو نفسه، فلذلك فإنها تنفذ مشيئته، في البلاد التي وعدها بها أو وعد نفسه بها. فإبادة "الأغيار" المعيقة لتقدم الرب وشعبه، ونقاء عرقه، وعقدة تفوقه، وتمدنه وتحضره، فرض عيًن، ليبقى هو المالك الوحيد والحصري لجنة الأرض، أما "الأغيار" فلهم مفاتيح السماء..!!
فلهذا الرب ولشعبه المختار أن يبيد من "الحشرات/الديدان/الصراصير/الكلاب" عشرات الملايين، ويمارس بحقهم أبشع تطهير، وتهجير عرقي في التاريخ دون أن تأخذه بهم "شفقة".؟ هذا جرى في التاريخ ومسرحه الممتد منذ خمسة قرون ضد السكان الأصليين، وامتدادهم الجغرافي الذي بات يعرف بالحديقة الخلفية للرب وشعبه، وكذلك أفريقيا، وأوروبا، وآسيا، واستراليا. أي في أرجاء العالم كله.
كيف لي أو لغيري أن أفصل، أو يفصل بين مقدمات، وسياقات، ومسارات، ونتائج خلق أو اختلاق، الولايات المتحدة الأمريكية، ومقدمات، ومسار، ونتائج خلق أو اختلاق "إسرائيل"، والحركة الصهيونية بينهما؟ كما كيف لي، أو لغيري أن أفصل، أو يفصل بين المؤسس جورج واشنطن والمؤسس يعقوب إسرائيل، بين الرئيس دونالد ترامب وبنيامين نتنياهو، بين الحاخام عوفاديا يوسف و القس أندرو برانسون، بين أمريكا أولاً، والدولة اليهودية أولاً، وبين البنى الاستعمارية وعلاقاتها العضوية في هذه الحالة؟!
في المحصلة، حقوق الإنسان في القرن الواحد والعشرين "قرن الصفقات"، صفقات الاستعمار: التي تستغل الإنسان، والأرض، والمال، والسياسة، وتستثمر بهم، باعتبارهم استمرار لحقوقه التي بدأت في أوائل القرن السادس عشر، بحسب المبادئ المقرة، وفي ضوء السياسات المتحركة، والشعارات المرفوعة هو أن تشعل الحرائق في كل مكان، على أن يكون وقودها الإنسان نفسه وحقوقه، فأزمات هذا النظام ورجله الأبيض يجب أن تُحل، ليعيد إنتاج نفسه أو دورته وبناه الاستعمارية، سواء بدحرجة أزماته إلى الأمام أو تصديرها إلى الخارج، دون أن يستطيع من يلعب "دور رجل الإطفاء" إخماد الحرائق المشتعلة في كل مكان. فمكاناً واحداً يجب أن يبقى بعيداً عن النيران، هو بيت الرب وشعبه (أي الاستعمار) المسكون "بالوهم والخوف" من "الأغيار"، الذين يهدرون الثروات والمقدرات التي خلقها الرب لنفسه أو لشعبه لا فرق، لذلك: فالاستعمار أولاً.
النسخة الغربية الأمريكية لحقوق الإنسان طبّعتُها إسرائيل:
في أوائل القرن السادس عشر بدأ "الرجل الأبيض" غزو واستيطان تلك البلاد "الجديدة" المزدهرة بأممها الأصلية، مرتكباً المجزرة تلو المجزرة في طريق "الفتح العظيم" والاستيلاء عليها، عبر عملية إبادة ممنهجة ومخططة في دوائر غزوه الغربي الاستعماري، لينتج في القرن الثامن عشر الولايات المتحدة الأمريكية، "بنسختها الإنسانية"، مع مؤسساتها ونظامها ومبادئها ورؤسائها وسياساتها. فمبدأ العزلة، وعدم التدخل بحسب الرئيس جيمس مونرو، يعني أن تعزل نفسك، وتمنع الآخرين من التدخل، لكن لك أنت لا غيرك، أن تتوسع في بلادك الجنوبية، لتصير حديقتك الخلفية، خاصة إذا مارست سياسة "الجار الطيب" بحسب مبدأ الرئيس فرانكلين روزفلت، فلا مانع حينها أن تتوسع في الهيمنة، فهذا أمر محمود، وفي الوقت نفسه تمارس السحق في أرجاء العالم، حينها لن يتعارض مبدأ تقرير المصير الخاص بالرئيس وودرو ويلسون، بتاتاً مع حقك في التدخل لاختيار "الرجل الصالح"، لحكم البلاد، التي لا تستطيع أن تقرر مصيرها بنفسها، وصولاً لدعم ومساعدة "الشعوب الحرة" التي خرجت مدمرة بعد حرب أكلت الأخضر واليابس، وتعزيز سياسة الدفاع النشط، بحسب مبدأ الرئيس هاري ترومان، فحليف الحرب المؤقت، والعدو الدائم الاتحاد السوفياتي شبحه قادم، فلا بد من الحرب الباردة التي كانت ساخنة أكثر مما كنا نتصور، مترافقة مع سياسة ملئ الفراغ، وحماية المصالح الحيوية، في الشرق الأوسط، وخاصة الوطن العربي منه، على طريق الاحتواء بحسب مبدأ الرئيس دوايت آيزنهاور، لتستمر ممسكاً بعدها بمبدأ العمودين المتساندين، أي أن أشكل لك درعاً واقياً، لكن وقود هذا الدرع، التي هي القوة البشرية فهي من الداخل، أي عليَّ العتاد/السلاح وعليك (الوقود) البشر. ففي باطنك ثروة من الذهب الأسود، وعليه فليعاد توزيع الأعباء، والكلفة الاقتصادية، والعسكرية، والأمنية، خاصة بعد أن خسرنا في أكثر من مكان، سواء في حديقتنا الخلفية، أو فيتنام بحسب مبدأ الرئيس ريتشارد نيكسون، فإن تهدد "مصالحنا الحيوية" في عقر دارنا التي تبعد آلاف الأميال عنا، في إيران وأفغانستان، ما بين "الثورة والغزو"، يستوجب أن يكون التدخل السريع، بعد أن كان الاحتواء قد فعل فعلّه، وما يتطلبه من تهدئة لجبهة الصراع الصهيونية – العربية، بطبعة السلام الأمريكية في كامب ديفيد، بتوقيع صاحب المبدأ الرئيس جيمي كارتر، فتحقيق التفوق الشامل، وعالمية المصالح الحيوية الأمريكية، يتطلب الجمع بين المبادرات السياسية، جنباً إلى جنب مع إشعال النزاعات الداخلية، في الدول الحليفة/الصديقة، للطرف الآخر أو العدو في الحرب الباردة التي أصبحت أكثر سخونة، مع مبدأ الرئيس رونالد ريغان، بطبعته الليبرالية الجديدة، لتجاوز "عُقد الإهمال" التي مورست قبله، بحسب ما قال: فكيف لنا أن نفهم "عقد الإهمال" في سياق بنية الاستعمار وعقد تفوقه؟!
لذلك لا بد من تسعير سباق التسلّح وحرب النجوم، والتدخل الخارجي المُنتقى بعناية ودقة، فانهيار عدوك في الحرب الباردة/الساخنة، أتاح لك الزعامة الوحيدة، فلا تترك الفرصة التي كنت تنتظرها، فعليك أن تجمع ما بين الزعامة الدولية، والتحالف الدولي، وغطاء المؤسسة الدولية، على طريق معاقبة "الجاني" وإنصاف "الضحية"، ويا له من إنصاف، من قبل النظام الرأسمالي المعولم، فعليك هنا، أن تمارس القوة بلا تردد أو هوادة ضد العراق الغازي، فأنت راعي حقوق الإنسان، وتملك مفاتيح الحرب والسلام بلا منازع، بل ومحمي "أممياً"، وعلى هذا الطريق، يجب أن يبدأ السلام بطبعته الجديدة في مدريد، نحو التطبيع من بوابة التركيع، بحسب مبدأ جورج بوش الأب. هنا وأنت تتوسع وتنتشر وتهيّمن وتؤكد الزعامة، فلتكن ديمقراطياً، ومروجاً لها، ومعلناً أن أهلها لا يتقاتلون/يتحاربون بعضهم بعضاً، فمفاهيم حقوق الإنسان حاضرة بالنسخة الليبرالية الجديدة (المطوّرة)، وشركاتها العملاقة المتعددة/المتعدية، والاقتصاديات التي يجب أن تبقى تابعة.
جوهر حقوق الإنسان، يتجلى أكثر، مع إعلان مبدأ الرئيس بيل كلينتون بنشر السلام الديمقراطي، أو إن شئت الاقتصادي، بطبعته الجديدة في أوسلو، لتأمين وتعزيز الأمن الجماعي، بالطبع لك أن تسأل: أي أمنٍ جماعيٍ ذاك المقصود؟! وما الرابط بين سلام كلينتون الاقتصادي، وسلام نتنياهو الاقتصادي أيضاً؟!
إن الأمن الجماعي المقصود، يمنحك حق شن الحروب الوقائية/الاستباقية، التي يجب أن تقسم العالم حينها إلى فسطاطين "أيديولوجيين": فسطاط الشر وفسطاط الخير بحضور الشيطان بالطبع، ما يمنحك الحق أن تكذب، ثم تكذب، ثم تكذب، حتى يصدقك الآخرون، وليس بالضرورة أن تصدق نفسك أو حتى تغطيها بغطاء أممي، لتستكمل المشوار الذي بدأه أبوك وليس أيباك فقط، بحسب مبدأ الرئيس جورج بوش الابن، لكن لا ضير أن تخفف من الحنق والاحتقان، وتبقى على مقربة من الفسطاطين، أو بالأحرى في قلبهما، فعليك أن تظهر حمامة سلام، وأنت توجه نحونا أو الأدق توجه ضدنا قوتك الناعمة، التي طُرب لها من سمعها في جامعة القاهرة، فهذا مبدأ الرئيس باراك حسين أوباما، خاصة أن بين باراك وأوباما الذي لم يلحظهما إلا القليل في بلادنا يقع (الحسين). والحسين هذا، كان قد قُطع رأسه ذوي القربى منذ زمن بعيد، وجابوا به عرض البلاد وطولها، فكنا أمام "شرق أوسط" يشتعل احتراباً داخلياً، ويقطع رأس أبنائه على مذبح "أيديولوجيته"، التي يجب أن يقام مجدها العتيق ولو في مدينة خراب، لعل على أنقاضها تُبنى مدينة وهمنا العتيق والمُعتق برائحة الدم، التي جعلت من مبدأ أمريكا أولا ملزماً للأتباع أيضاً، بل يجب أن يشارك ويدفع الجميع في كشف حسابهم، بلسان واضح نطق به مبدأ الرئيس دونالد ترامب: إن الدفع لن يتوقف، حتى ولو وقعت شيكاً على بياض، فماذا عن شأن بلاد من يدفعون ويوقعون أيضاً.. فلأمريكا أولاً، رجل أبيض في المنطقة، له ذات الحق في سياق مبدأ الاستعمار أولاً أيضاً؟!
هنا لا يمكن الفصل بين المبدأ والمؤسسة، بين الرئيس والنظام، بين النظام والمجتمع، بين الاقتصاد والسياسة، بين الدفاع والهجوم، بين العزل والاحتواء، بين الكمون والانطلاق، بين الحرب والديمقراطية ، بين حقوق الإنسان وذبحه، بين الموقع والذهب الأسود، بين أمريكا في القرن الخامس عشر والقرن الواحد والعشرين، وبين أمريكا والصهيونية وإسرائيل، الطفل الذي يزيد عمره عن قرن ونيف، فكل ما سبق متأصلاً في النشأة والنزعة الاستعمارية، ومستمراً معها، كما لا يمكنك الفصل بين الدم والسيف.
وهنا لا يجب أن يظهر الدم بلونه الحقيقي، في كف "الرجل الأبيض".. فدمنا لا يضاهي خطوط أقلامهم الحمراء بالمطلق، حيث يسكت/يخرس الجميع بما في ذلك "هيومن رايتس" و "بيتسلم"، التي لا تكف عن الزعيق في أماكن أخرى وحتى في الداخل المضبوط، ليعلو زعيق ووعيد "الرجل الأبيض صاحب الكف ناصع البياض". فممنوع عليك أن تحتج على دمك المسفوح والمسفوك أمام "المحكمة الجنائية الدولية"، هذه حقوق إنساننا.. إن شئت فتزود، وفي كل الحالات ستبقى تدفع دماً ومالاً وتمزيق أوصال.
من تاريخ حقوق الإنسان.. دم عن دم يفرق:
في عالم السياسة، كما الاقتصاد لا مجال للخطأ، ولا مجال للصدفة، وعليه لا يمكن عزل الحدث عن سياقاته التاريخية، ارتباطاً بما هو قائم على صعيد الواقع وتشكل العلاقات الدولية، ما بين أقطاب منها من يعمل بدأب كي يستمر قطباً أو رأساً واحداً ووحيداً، للنظام الدولي، وأخرى تزاحم، لعلّها تعيد توازن كان قد فقد منذ عقود خلت، وعليه، فإن قراء التاريخ من بوابة حدث الدم/النفط مجدداً، الذي اتخذ كل هذا "الصخب" دولياً ومحلياً، ما بين نفي وتأكيد، وروايات فيها ما هو قريب، وما هو بعيد، يوصلنا لسؤال: هل في حقوق الإنسان دم عن دم يفرق؟! فهل دم ناصر السعيد بلا ثمن، في حين دم جمال خاشقجي دفع فيه أغلى ثمن؟!
الفرق هنا، هو أن الأول معارض جذري وثوري للنظام السعودي، وللاحتلال الأمريكي-الصهيوني، لذلك طويت صفحته بعيداً عن أدعياء حقوق الإنسان، الذين لم ينطق أحدهم بحرف في قضية خطفه، وقتله فيما بعد، من قبل النظام السعودي نفسه، يبدو أنهم كانوا منشغلّين "بالموجة الثالثة" من الديمقراطية، لذلك لم يوجد "إعلام" يُسمعهم باسم "أبو الزعيم" وجماعته المسؤولة عن خطف وتسليم السعيد، بعد أن قبضوا الملايين من الدولارات الأمريكية، من قبل السعودية النفطية مباشرة، وهذه لا تدفع من رأسها، فالعلاقات عضوية تماماً، بين الاستعمار والصهيونية وإسرائيل والرجعية العربية. السؤال هنا: كيف لحركة تحرر، ترفع شعار تحرير الأرض والإنسان، أن تُضحي بالسعيد الذي انتهى قتيلاً بعدما كان حليفًا للثورة، من خلال تسليمه لمن فرّط بالأرض وذبح الإنسان؟! وعليه، أليس لنا الحق أن نصل لاستنتاج يقول: بأنه من هان عليه التضحية بالإنسان، فلا حرّمة عنده للأوطان، الذي سيصبح فيما بعد ولا يزال مقطعاً على مذبح السلام؟
أما الثاني، بدا وكأنه معارض وهو لم يكن كذلك، ولم يقل ذلك أيضاً، بل بقي يعلن وفائه لمليكه، في كل مكان ومحفل، وصديقاً وفياً لأمريكا والقاعدة "بن لادن" كما تركي الفيصل ومابينهما والغرب، لهذا اتخذت قضيته أبعاداً كبيرةً، لم يبقَ محفلاً أو ملّطماً دولياً إلا وتناولها، مع ملاحظة الصمت الإسرائيلي الواضح، يبدو أنه حرصاً على المسار التطبيعي المتصاعد مع آل سعود، الذي في الباطن فيه أكثر من الظاهر، وفي الوقت نفسه فرحاً سرياً ربما، بإثبات آخر على "وحدانية النموذج الديمقراطي" الصهيوني، طبعة "الرجل الأبيض".
على كل، ظهر المدافعون عن حقوق الإنسان بلباس الحزن من كل مكان، وعلى رأس هؤلاء بالطبع الأمريكان. هنا تجلّت أمريكا، وهنا تجلّى الاستعمار، وهنا تجلّت الإمبريالية كما الصهيونية وما بينهما، بعدما أخرج النائب العام السعودي طريقة "الوفاة المقبولة"، بتعبير "الخليفة" أردوغان بين جميع الأطراف، كما أكدها في خطابه أمام البرلمان الذي لم يقل أمامه شيئاً، مما قاله للأمريكان عبر كاميرات التسجيل، على ذمة وسائل الإعلام، التي كانت داخل المكان/القنصلية، في أثناء "الشجار".. يا له من شجار تقطع فيه الأوصال..!!
السؤال هنا، هل يمكن فصل الدم عن السياق التاريخي للبنى الاستعمارية التي تجعل دم عن دم يفرق؟! أم أن كل الدماء في النهاية أمام سيف الاستعمار سواء، حتى ولو كنت صاحب بشرة بيضاء؟! وإلا كيف نفسر، أن توصد في وجهك أبواب اتحادهم الأوروبي؟! وكيف تم النبش عن "المجد الغابر" باسم العثمانية الجديدة، فمهدُوا الطريق يا إخوانه، فالخليفة قادم وبيده سيف الخلافة؟!
البنى الاستعمارية: التاريخ المختلق وإعادة دورة إنتاجها لنفسها، فالعلاقات عضوية:
في سياق فهم العلاقة العضوية بين البنى الاستعمارية، واختلاقها لتاريخها، لا ضير أن نستأنس بالمسألة البيولوجية، لتوضيح العلاقة بين أمريكا وإسرائيل، فالأولى، أي أمريكا هي بمثابة الأم بالنسبة للثانية، أي إسرائيل، وهذه (إسرائيل) تبدو كما الطفل المدلل الذي لا يكبر في عين أمه، لذلك فهو بحاجة دائماً لرعايتها، وحضانتها، وحمايتها، وحصانتها، فهو خرج من صلب "الرجل الأبيض"، أي البنية الاستعمارية، التي جعلت من الصهيونية عرقاً وديناً، ساميتها بقرة مقدسة، وتوراتها مرجعاً لشعبها المختار، فأمريكا شعبها مختاراً، كما دينها أيضاً، والشعوب المختارة، لا يمكن أن تقبل بالشعوب التي وجدت "صدفة" في التاريخ، حتى ولو كان قديماً، فهذه الشعوب وجودها عبء على التاريخ وزوائد فيه، وثرواتها حرام عليها، وأرضها لا تستحق أن تبقى فوقها، وعليه، فلتذهب إلى باطنها مقتولة، أو ترحل في تيه الشتات، فهي ليست من صلب "الرجل الأبيض"، وليس لها حقوقه، فثمانين سنة توراتية، تكفي لأن تخلق تاريخاً يليق بالاستعمار، وتجعل من الدين قومية وجنسية تجمع شتات اليهود (الدياسبورا)، الذين أجحف التاريخ بحقهم، ولم تكن سوى فلسطين مهدهم، هكذا يقول "التاريخ التوراتي"، وليس الأرجنتين أو أوغندا، بنتا أواخر القرن التاسع عشر، وأوائل القرن العشرين، فكهذا يريد التاريخ المختلق.
الملفت هنا، أنه يحق للاستعمار أن يبني/يختلق تاريخه بنفسه، وليس لك الحق في أن تعترض على ذلك التاريخ أو تواجهه بتاريخك الحقيقي، فهو جاء ليجعل منك "إنساناً"، مع عدم نسيان أن الإنسان الميت أو المشتت، هو الإنسان الجيد فعلاً، بالنسبة للاستعمار "ونموجه الجيد" للبعض أيضاً، الذي يقتلك ويشتتك من بوابة إحقاق حقوقك وتحضيرك وتمدينك..!!
إن البنى الاستعمارية تبقى دائماً متحفزة لمشروعها، وتعيد دورة إنتاجه باستمرار بما يجعله يتقدم بخطى "واثقة" في إطار تقييمه ومراجعته الدائمة، في مراكز ومعامل بحثها التي لا تكف عن مراجعة الذات، ولكن ليس من على قاعدة محاسبتها على أخطائها، فهي لا تخطئ، وإن حدث ذلك، فالخطأ ليس مقصوداً، فالرب لا يخطئ، طالما أن الهدف، هو هندسة الآخر/العدو، أي تمدينه وتحضيره، وجعله إنساناً في دوائر الهندسة الاستعمارية، التي يجب أن تبقى أكفها ناصعة البياض من الدم الأحمر، الذي لا يضاهي بالمطلق، ولا يشبه الذهب الأسود، كما الخطوط الحمر بالطبع، فلا تُرى الدماء، على أكفهم حتى بمجهر القرن الواحد والعشرين (المُكبر) على شاشة الفضائيات، التي تنطق بكل اللغات.. فحقوق الإنسان تقتضي ذلك.
في حالة أمريكا وإسرائيل، يُعظّم الطفل المدلل أرباح أمه، أما في حالة الرجعية العربية، ونموذجها السعودي، فالولد/الشاب ابن سلمان، لا يخسر لوحده وأبيه وعائلته، بل تخسر كل بلاد العرب، وفي مقدمتهم فلسطين، التي تمثل القلب (أي الحياة) التي تضخ الدم في شرايين الوطن العربي. فهل سمعتم سابقاً عن العلاقة العضوية: بين الاستعمار والإمبريالية والصهيونية والرجعية العربية، أي معسكر الأعداء. فمعسكر الأعداء، هذا لا يكتفي بتقطيع أوصال الإنسان وحقوقه، بل تقطيع الأوطان أيضاً.. فكم بُحت حناجر جورج حبش وجمال عبد الناصر وغيرهما، وهم يوضحون، وينبهون، ويحذرون، من هذا المعسكر ودوره: أهدافاً ومشاريعاً ومخططات؟!
(بالأمس قال ترامب فيما يخص السعودية وابن سلمان: كانوا حلفاء جيدين، وساعدونا كثيراً، فيما يخص إسرائيل، ومولوا كثيرا من الأشياء).
من تاريخ حقوق الإنسان.. والهندسة الاستعمارية:
القوى الاستعمارية كما تمثلها اليوم بشكل ساطع، الولايات المتحدة الأمريكية وشريكتها/قاعدتها/كلب حراستها "إسرائيل"، لا تكتفي بحرب الإبادة والتطهير وضرب الوجود المادي للشعوب/المجتمعات التي تحتلها، أو الخاضعة لهيمنتها، ونهب خيراتها، ومقدراتها وثرواتها، بل تعمل على هندسة تلك المجتمعات بما يجعلها تستجيب لمقتضيات مشروعها الاستعماري، من حيث لا تدري، ليس هذا فحسب، بل أن تستدخله وتعيد إنتاجه ذاتياً متمثلة قيمه. وهذه الهندسة، لا يمكن أن تنجح بالتدخل الاستعماري المباشر لوحده، لأنها تجعل المُستعّمَر، في حالة دائمة من الاستنفار والممانعة والمقاومة للمُستعّمِر، لذلك فالأخير بحاجة لأدوات داخليه، تعينه/تساعده في عملية الهندسة، هنا يحضر دور الوكلاء الذين يصبحون "خبراء"، والمقاولون الذين يتحولون من حركات سياسية إلى شركات "أمنية"، والعملاء الذين يبررون لأنفسهم ويبرؤونها بإدانتهم لواقع الحال المزري، والتجار الطبقيون الذين عندهم الربح وتراكم رأس المال، أقدس وأعظم من الأوطان، والكثير من ما يسمى بالمؤسسات غير الحكومية التي مطلوبٌ منها أن تُنجز بقدر ما تتموّل، والملوك والرؤساء الذين لم يعد يهمهم حفظ البلاد، بقدر ما يهمهم حفظ رؤوسهم وليس عروشهم فقط، وعليه، لا غرابة أن يتصدر جزء من هؤلاء المُهَنّدَسين المشهد، كما المستويات المتقدمة، بل هذا ضرورة ضمن عملية الهندسة، التي تجعل خلط وصعوبة في التفريق بين الوطني وغير الوطني، النقي وغير النقي، الشريف وغير الشريف، الصحيح وغير الصحيح، الصادق وغير الصادق.. بحيث تستمر دائرة التشويش والفوضى وفقدان المعايير واختلال التوازن، على طريق التآكل الذاتي المستمر للبديهيات والمسلّمات والحقائق والثوابت، مترافقة مع سلب وتآكل الإنسان حقوقاً، وحضوراً، ووعياً، ودوراً، وتبديد أوصال وطنه.
المشهد قاتم نعم، لكن تبقى الممانعة والمقاومة والصمود، هي عنوان للشعوب، التي لا تفقد البوصلة أبدأ، وإن فقدها بعض كبارهم، إن كانوا هم كذلك أصلاً، ولنا في التاريخ العبرة الكبرى. ولأن في التاريخ، عبرة كبرى، إن أجدنا التعامل معه، على قاعدة أن نبقى فيه ومعه، أي على مسرحه، فاعلين لا مفعولاً بنا، فإن نقطة الوضوح، تفترض أن نعيد طرح سؤال: هل يمكن لنا الصمود أمام هجمة أعداء الخارج، بفاعلية ومنَعَة وكفاءة واقتدار وقوة لتحقيق النتائج المرجوة، وداخلنا مليء بالأعداء؟ سؤال سبق لغيرى أن طرحه بوضوح شديد أيضاً، أذكر منهم: غسان كنفاني ، الشهيد والشاهد على طريق الإجابة التي لا تزال مفتوحة على هذا السؤال، مع استمرار تقطيع الأوصال.
بتكثيف شديد، ترتيب الأولويات لا تقل أهمية عن تحديدها: هنا المعركة.
الظفر بالنصر.. المصالح لا المبادئ:
المهم، أن كل الأطراف ظفرت بما تريد، من وراء مقتل وتقطيع (خاشقجي)، فأمريكا بمزيد من الإخضاع والابتزاز السياسي والمالي للنظام السعودي، مقابل ظفر هذا النظام "بحفظ رأسه إلى حين".. وذلك الحين تحدده الرأسمالية/الإمبريالية بحسب أجندتها هي، أي مشروعها، واستراتيجياتها، وأهدافها، ومصالحها، و تركيا ظفرت بتحسن موقع الليرة، وقد تتحسن أكثر في قادم الأيام، وتخلصت كذلك، من "أزمة" القس الأمريكي "أندرو برونسون"، بعد أيام قليلة من إعلانها مقتل (خاشقجي)، بإطلاق سراحه دون ضجيج، بعدما غطى مشهد التقطيع وسائل الإعلام والتفزيع، وبالتالي، ركزت علاقتها مع الولايات المتحدة، وحفظت موقعها الثاني بعد الولايات المتحدة الأمريكية في حلف الناتو.
تذكروا.. أن "الخليفة" أردوغان أقسم أيّماناً مغلّظة أن هذا القس، سيبقى رهن سجنه، ولن يظفر بالحرية، لضلوعه في محاولة قلب نظامه الإسلامي.. لكن أين موقع الإسلام من السياسة هنا أو إن شئتم العكس؟!
بين كل ما سبق، ظفر كل من أمريكا وإسرائيل وبينهما المشروع الصهيوني عموماً بالغنيمة الأكبر، حيث توفر لهما نظاماً عربياً مداناً أكثر، ومنحطاً أكثر، وبالتالي، أكثر قبولاً بهما وبوجودهما ومشروعهما الاحتلالي التوسعي، ولا أجازف لو قلت أننا قد وصلنا لمرحلة: يتربع بها بعض المتصهينين العرب، على رأس الممالك والجمهوريات. فمن المعروف أن الصهيونية لم تبدأ في حضن اليهودية، بل في قلب القوى الاستعمارية الغربية، وعلى رأسها الإمبراطوريتان الغابرتان البريطانية والفرنسية.
تذكير مكثف:
من المفيد التذكير، بمقولة: "أن رأس المال ينزف دماً من كل مساماته"، لذلك لا مكان للإنسان وحقوقه في الدول الضعيفة والمنهوبة والمفقرة والمتخلّفة أو "الحليفة" إن شئتم، سوى جثث يمشي عليها اقتصاد الدول الرأسمالية/الإمبريالية، تخليداً لمقولة أبو الاقتصاد الرأسمالي، آدم سميث: "دعه يعمل دعه يمر"، لكن يبقى للشعوب إن استردت حريتها وكرامتها ومؤسساتها ونظمها، في المآل النهائي أن تقول كلمتها: لن تمروا.


التعليقات المنشورة تعبر عن رأي أصحابها


الأسم *
البريد الألكتروني
البلد *
التعليق *
رمز الحماية: أكتب الثلاثة أرقام السوداء فقط captcha image
New Page 1