وعدونا بالعودة، وهل نعود!؟ انتصار الدّنّان

المكتب الإعلامي للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، بيروت، لبنان
05-05-2018
الأرض لحظة خروجهم من فلسطين، بكت، ودعتهم بالدماء التي سالت على الحائط الذي كانوا يركنون إليه، وسنابل القمح الصفراء، تركوها، فحصدت نفسها بنفسها، وحنت نفسها نحو الأرض، وعانقت التربة، وغنى الشتاء في الموسم الآخر، فصارت السنابل تصلي في كل عام، في موسم الحصاد، حتى يعود أصحاب الديار المهجورة إلى ديارهم.
لم يعلموا أنهم سيظلون كل هذه الأعوام خارج فلسطين. سبعون سنة تمر اليوم، وهي تكبر يومصا بعد يوم، حتى صارت تجاعيد يديها تشبه جذوع شجر الزيتون الذي مازال مرابضًا في دير الأسد، ينتظر عودة من تركه.
البريطانيون كانوا يستعمرون أرضهم، لكنهم برغم ذلك كانوا يذهبون إلى أرضهم، ليقطفوا زيتونها، ويعصروا زيتها، ويعطروا أنفاسهم برائحة الزيتون المعفور في الأرض، حين تهب نسيمات أيلول اللطيفة الحنونة.
آمنة عبد الحق، خرجت مع زوجها وابنتها التي توفيت في لبنان بعد أن خرجت من فلسطين، ومن قبلها أولادها الصبيان الثلاثة الذين لم يحرمهم القدر من تراب فلسطين، كانوا يقولون لها في البلاد:عندك قرينة، هي التي تقتل أولادك، ويلزمك حجابًا، لكنها أدركت لاحقًا أنه من كُتبت له الحياة سيعيش، ومن أدركه الموت، فهو ذاهب لملاقاة ربه، لن ينتظر.
زوجها في فلسطين كان يعمل فلّاحًا في أرضه، تقول:" كنّا ملّاكين". أتى اليهود غير العرب، أي يهود فلسطين، عليهم، كانوا يذبحون الناس في المناطق الأخرى، هربنا، وتركنا كلّ ما نملك خلفنا. تركنا ملابسنا، وزيتوننا الجاثم في مكانه ربّما مازال. ذبح الصهاينة اثنين من المسيحيين وآخريْن من المسلمين، خفنا، ونحو بلدة رميش، جنوب لبنان توجهنا سيرًا على الأقدام، وصلنا هناك، نمنا تحت الشجر، هجم علينا النمل، وأكل أجسادنا، وبقينا طيلة الليل على تلك الحالة، أكلنا الجوع، فلمنجدما نسد به جوعنا. عند الصباح وصل إلى المكان قطار، وأقلنا إلى حلب، كنا نبحث عن مكان آمن ننام فيه، هناك وصلنا إلى بركس في منطقة النيرب، كانت البركسات مقسمة إلى غرف صغيرة، كل أسرة منا أخذت مكانًا لها، وصار الناس يعطفون علينا، فمنهم من قدم الأغطية، ومنهم من أحضر الطعام، وغيرهم الماء، حتى إننا وضعنا أحذيتنا تحت رؤوسنا، ونمنا عليها.
في النيرب مكثنا سنة ونصف، لم أستطع البقاء هناك، وكان أخوتي قد لجأوا إلى لبنان، فطلبت من زوجي المجيء إلى لبنان، لأعيش مع أخوتي.
في مخيم عين الحلوة سكنت في شادر، وأخوتي كذلك. وكانت كلما تهب الرياح كان الشادر يميل ويطير، وكنا نجمع الحجارة حتى نثبته، لكنه برغم ذلك كان يطير، هو شادر لا يقوى على مجابهة الرياح. زوجي صار يعمل فلّاحا أجيرا بالأرض، ينكش بالشوكة، لقاء أجر مادي، تبلغ قيمته خمسة عشر قرشّا، كان المبلغ في ذلك الوقت مقبولًا. الخيمة التي كانت تتطاير أطرافها، حولناها إلى ( خشّة) غرفة صغيرة من الحجر، يغطى سقفها بالقش والقصب، كانت أول خشة تبنى في المخيم، الناس جميعهم صاروا يأتون إلينا، ليتفرجوا عليها، ومن بعد ذلك بنينا منزلًا في المخيم.
في لبنان أنجبت آمنة ولدين، تعيش مع واحد منهم، يسكن في المخيم، وهما من يعتنيان بها.
مات زوجها إبان الاجتياح الإسرائيلي للبنان في العام 1982، إثر نوبة قلبية، فقد كان يشكو من ضيق في التنفس الدائم.
تبلغ من العمر مائة وعشر أعوام، ذاقت في غربتها مر المر حتى وصلت إلى ما هي عليه، لكنها تقول: وهل ارتحنا، لا، لن نرتاح طالما مازلنا نلقب بكلمة لاجئ، وهل هذه الكلمة هينة؟
هي الطلعة، ليتنا متنا هناك، أليس ذلك أشرف لنا؟





التعليقات المنشورة تعبر عن رأي أصحابها


الأسم *
البريد الألكتروني
البلد *
التعليق *
رمز الحماية: أكتب الثلاثة أرقام السوداء فقط captcha image
New Page 1