الثقافة اللبنانية في 2017: حيوية بيروت تواجه جهالة المتربصين

القدس العربي- زهرة مرعي
09-01-2018
يتواصل زمن الانكفاء الرسمي عن التبصر في حاجات المدينة لتكون ذات حضور متطور يستجيب لتطلعات ساكينها. ومع ذلك تبقى بيروت منتفضة على غض الطرف المتعمد من قبل المسؤول. تبني لنفسها حيويتها الثقافية بقدر المستطاع تواجه به جهل المتربصين بشؤونها قسراً، تقارع وتصارع لتكون هي، قبلة الكتاب، المسرح، الشعر وغيره. وهنا بعض ملامح لحال الثقافة لسنة 2017 ..
أدونيس يحتفي بالمدينة
توقف الشاعر «شوقي بزيع» عند المحطات اللافتة في إصدارات الشعر وقال: الانطباع الأول الذي خرجت به إثر زيارة معرض الكتاب، ومتابعة الإصدارات الشعرية هو أن عام 2017 لم يكن عام الشعر. يبدو أن هناك استراحة محارب بالنسبة للعديد من الشعراء، خاصة من الجيل الذي انتمي إليه. فلم يبق أحد من الشعراء الرواد أو من الأجيال السابقة. ربما يكون الشاعر شوقي أبي شقرا هو الوحيد الباقي على قيد الحياة بعد رحيل أنسي الحاج وجوزف حرب. كما خسرنا هذا العام عصام العبدالله في المحكية. ومن جيل الرواد هناك إصدار مميز لأدونيس «بيروت ثدياً للضوء». هو ليس إصداراً شعرياً وحسب، بل هو نوع من الكولاج الأدبي ويضم قصائد عن بيروت كان أدونيس قد كتبها في مراحل متفاوتة، إضافة إلى مقالات وحوارات. كتاب يحتفي ببيروت احتفاء غير عادي، وكأنه في جديده يعيد الانتصار لبيروت، ويعيد تظهير موقفه من جديد، وتوضيح ما غمض من مواقفه السابقة. ليؤكد أنه انتصر لبيروت في النص الإبداعي، وأن موقفه لم يكن سلبياً من المدينة بقدر ما كان يتناول ملاحظات حول واقع بيروت الحالي. والكتاب مميز بكافة المعايير. ولسوء الحظ لم يكن هناك سوى المجموعة التي أصدرتها كممثل رمزي للجيل المعروف بجيل السبعينيات، الذي حمل عنوان «الحياة كما لم تحدث». ولفتني أنه حتى شعراء الثمانينيات لم تصدر لهم أي مجموعة شعرية. الإصدارات الوحيدة التي لاحظتها تنتمي إلى جيل التسعينيات وما بعدها. ومعظم الإصدارات هي عن دار النهضة العربية، التي تتولى منذ سنوات إصدارات الشعراء الشباب والشابات. مجموعة مهدي منصور «لحظة الانتظار»، وموسى حمادة شاعر ينتمي للقرن الواحد والعشرين وهو جيد. والشاعران يكتبان شعر التفعيلة معطوفاً على الوزن الخليلي. لاحظت عودة قوية إلى شعر الوزن، طبعاً بدون تراجع في قصيدة النثر. هناك مجموعة نثرية للشاعر محمد ناصر الدين «سوء تفاهم طويل»، وهو من الاسماء التي تشق طريقها بقوة في إطار قصيدة النثر العربية المعاصرة. المشهد الشعري بوجه عام كان متراجعاً نسبياً عن السنوات التي سبقت. لست متشائماً إزاء مستقبل الشعر على الإطلاق، فهناك إصدارات عربية موازية عوّضت قليلاً في فلسطين والأردن، وفي العديد من الساحات العربية.
السينما تتقدم والجمهور يتراجع
أما المخرجة والمديرة الفنية لمهرجان أيام بيروت السينمائية، وموزعة الأفلام «زينة صفير»، فتلخص المشهد السينمائي اللبناني قائلة .. ليس عندنا سينما بديلة لأننا نفتقد الصناعة السينمائية. نشهد منذ سنوات سينما تجارية تحمل كامل صفات التلفزيون ويحقق شباك تذاكر كبير. لنسميها السينما الجدية وهي بنسبة 90٪ إنتاج مشترك. أفلام لها حياة في المهرجانات ومن ضمنها الفيلم الوثائقي. وفي تفاصيل المشهد لسنة 2017 فالأكثر نجاحاً في شباك التذاكر «محبس» لصوفي بطرس، و»قضية رقم 23» لزياد الدويري. ومن الأفلام التي حققت نجاحاً أيضاً فيلم «ربيع» لفاتشيه بولغورجيان، بدأ في كان سنة 2016، وجال في المهرجانات لعام وبنجاح كبير، وافتتح أيام بيروت السينمائية، ثم دخل الصالات في مايو/أيار 2017. لم يحقق أرقاماً محلياً، بعكس عروضه التجارية في أوروبا. ولاقى فيلم «المسافر» لهادي غندور استحساناً في مهرجان دبي 2016، وعرض في الصالات في 2017 بدون أرقام لافتة. ونذكر «إسمعيني» للمخرج فيليب عرقتنجي، و«ورقة بيضا» الذي وقعه مخرج فرنسي وأنتجه اللبناني طارق سيكياس، وهما من الأفلام الناجحة. كما تحدثت صفير عن انعكاس المهرجانات السينمائية المتعددة على حيوية المشهد السينمائي بالقول: المهرجانات إلى ازدياد، وحضورها في أي مدينة مهم جداً. يُعرف المهرجان الجمهور على أفلام لا يحتضنها الموزعون ولا الصالات. وجود صالة متروبوليس، وشركة توزيع كما Mc Distribution مهم للغاية، لأنهما يدعمان الأفلام التي لا تحظى بدعم الصالات. للمهرجانات دور في تحسين الذوق العام، وجمعية متروبوليس منفردة تنظم أكثر من مهرجان، وتستضيف أكثرها. تستقبل مهرجان الفيلم الأوروبي وتساهم في برمجته وينظمه الاتحاد الأوروبي. وتنظم مهرجان الفيلم الألماني وتقيم معه «مواهب بيروت» بالتعاون مع مهرجان برلين من خلال ورشات التدريب مع محترفين من مخرجين، ومديري تصوير، مونتاج وصوت، والتي تجمع شباباً من لبنان والدول العربية. ونذكر مهرجان شاشات الواقع المخصص للأفلام الوثائقية، وغيره الكثير. وتضيف: أما مهرجان أيام بيروت السينمائية الذي تنظمه جمعية بيروت دي سي، فيهدف منذ تأسيسه سنة 2001 لتعريف الجمهور اللبناني إلى صورة محيطه. وهو من أقدم المهرجانات المخصصة للسينما العربية واللبنانية. ونذكر كذلك مهرجاني «بيروت فيلم فستيفال»، و»نما في بيروت». والمبادرات كثيرة منها مهرجان «مسكون» الذي تقيمه شركة أبوط للإنتاج. إلى جانب أسابيع سينمائية تنظمها السفارات. وفي قراءتي لتلك المهرجانات أرى الجمهور إلى تراجع. جمهور متروبوليس معروف، لكن السؤال هل تصل السينما إلى أبعد من هذا الجمهور؟
الثقافة الفلسطينية بلا حدود
الروائي والفنان والناشط السياسي والاجتماعي الفلسطيني «مروان عبد العال» قرأ في حيوية المشهد الثقافي الفلسطيني وتناميه في لبنان وقال: لا شك في صلة القربى القوية للساحة الثقافية اللبنانية مع الثقافة الفلسطينية، وهذا بحكم الترابط التاريخي والجغرافي والسياسي وغيره. شهدت سنة 2017 أنشطة مهمة وبارزة على صعيد المهرجانات الثقافية، خاصة تلك التي أقيمت في دار النمر وكان لها طابع التراث. وشكّل المسرح والسينما الفلسطينية محطة مهمة، منها الأيام التي اقامها الفنان محمد بكري الآتي من الجليل. وكذلك العمل المسرحي الجديد لرائدة طه « 39 شارع عباس ـ حيفا». وعبرت إلى المشاهد أفلام فلسطينية مهمة منها 3000 ليلة لمي المصري، واصطياد أشباح لرائد أنضوني، الذي نال جائزة مهرجان برلين. كما شهد معرض الكتاب في بيروت أمسيات وتوقيع روايات اعتبرها جيدة. وأتوقف عند التواصل النشيط بين الداخل والخارج. جاءت الثقافة الفلسطينية وكأنها ثقافة بلا حدود، حيث أزيل الكثير من الحواجز.
ومن العوامل المهمة والجيدة أن نستقبل فرقاً من الداخل الفلسطيني، فقهر الجغرافيا سعى للكثير من الحواجز. فقد شهدنا فعاليات جيدة على هذا الصعيد. وبالمستوى نفسه يبقى السؤال عن العامل الثقافي من لبنان بخلاف العامل الثقافي الوارد من فلسطين وأهميته. وهذا السؤال عن مدى المشاركة، الإنتاج والإبداع للفلسطينيين الموجودين في لبنان. وما هو مدى مشاركتهم في المهرجانات التي تشهدها بيروت؟ وعن واقع المخيمات، ظروفها وأولوياتها؟ شخصياً شهدت العديد من الأمسيات في المخيمات من بينها سهرات ثقافية. وثمة أندية فلسطينية في الجامعات صار لها امتدادها في المخيمات، منها النادي الثقافي العربي في جامعة بيروت العربية، الذي بات له مركز في مخيم مار الياس. سابقاً كان للحركات طابعها الاحتجاجي، بينما باتت الآن ذات طابع ثقافي، منه مناهضة التطبيع والدعوة للمقاطعة. كذلك التحركات المتعلقة بالدفاع عن التاريخ والهوية الفلسطينية، والمسائل ذات الأهمية على الصعيد الأدبي.
الحركة بطيئة للأسف لارتبطها بالسياسة. يحتاج المشروع الثقافي لمساحة أوسع، فهو عماد أي مشــــروع وطني ســـــياسي. للـعـــامل الثقافي الأولوية وليس له أن يُلحق بالعامل السياسي. الثقافة الوطنية لها علاقة بالهوية الوطنية والمسألة الإبداعية بحيث تنتج ثقافة نقدية، وهذا ما نريده.
المسرح خارج الحسابات
الفنان والناقد المسرحي «عبيدو باشا» يرى .. أن سنة 2017 شهدت مسرحيات وليس مسرحاً. فلا بد من قيام سياق تندرج ضمنه كافة الأعمال. نحن أمام معطيين، أن يكون لنا سياسة ثقافية، أو فكر ثقافي. بغيابهما معاً لا يمكن لأي مسرحية أن تندرج في سياق معين. ولهذا الاعتبار لا يمكن قيام تجربة مسرحية. وما نشاهده في هذه الآونة عبارة عن مجموعة من المسرحيات البعيدة عن التفاصيل التي تقود إلى قيام معطى يمكن قراءته من خلال بناء حركة مسرحية، كما كان لدينا في أواخر الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي. في جولة على الصالات نجد الكثير من المسرحيات. واللافت كذلك إغلاق الكثير من المسارح التي تُغلق وهذه إشارة لا بد من التوقف عندها.
من المسارح التي لم تعد موجودة بابل، أورلي، جاندارك، بيكاديللي واسترال. بناء المسرح ليس موجوداً في عقل المدينة، ندرك ذلك بالعودة إلى المخطط الأول لبناء المدينة، فلم يلحظ بناء صالات مسرحية.
والحاصل أن صالات السينما تحولت إلى صالات مسرح. وبهذا المعنى فالمسرح غير موجود في عقل المدينة. وغياب الصالة المسرحية راهناً يعيد طرح هذا السؤال، لكن بدون شك التقدير موجود لكل من يعمل مسرحاً في لبنان لكونه يغامر. في حين أن كثيرين يخشون تلك الخطوة إما لاعتبارات لها علاقة بالوضع الاقتصادي أو بالوضع الأمني، الذي هو أكثر استقراراً. والسؤال هو كيف لنا أن نبني حياة مسرحية في ظل غياب الحياة الاجتماعية؟ وبغياب أي جملة مشتركة بين مواطنين لبنانيين كيف لنا جمع مئات المشاهدين في مكان واحد؟ وعلى فكرة واحدة؟ فالحياة الاجتماعية تمت تصفيتها من خلال تصفية الطبقات الوسطى بشكل ممنهج منذ بداية الحرب الأهلية. فقد بات متعذرا التوأمة مع الثقافة الأوروبية بسبب عدم امتلاك ذات القوة الاقتصادية. عدم التواصل مع الثقافات الأخرى أدى لتراجع في معايير الثقافة اللبنانية قياساً إلى الثقافات الأوروبية التي اقتربت منها في مكان ما ونافستها كذلك.
عصر الرواية
وعن ازدهار الروايات في دور النشر اللبنانية، قالت المديرة العامة وأحد مالكي دار الآداب «رنا إدريس» .. لا تزال الرواية هي الأقوى على صعيد النشر في لبنان. بقراءة في إحصاءات معرض الكتاب في بيروت، حيث تنشر أسماء الكتب الأكثر مبيعاً، فهي تشير إلى نجاح حفل التوقيع. في الحقيقة ليس هذا المعيار، فبعد حفل التوقيع لن يسأل أحد عن هذا الكتاب. المعيار الأساسي هو الكتاب الذي يُطلب على مر السنوات وبدون حضور المؤلف. فإن وجدنا حفل توقيع حاشد لكتاب شعر فلا يعني هذا أن الشعر بخير وطلبه كثيف. الرواية الأكثر مبيعاً يطلبها القارئ بدون النظر إلى شكليات وجود الكاتب وحفلات التوقيع. ومن هذه الروايات التي حققت أرقاماً في البيع «بريد الليل» وهي جديد هدى بركات. الإقبال لا يزال منقطع النظير على كتب إليف شفق جميعها وبالتحديد «قواعد العشق الأربعون» يبيع منذ أربع سنوات بوتيرة متصاعدة. وفي المترجم كذلك حققت رواية ايزابيل ألليندي «ما وراء الشتاء» طلباً كثيفاً، وهي من أدباء أمريكا اللاتينية التي يرغب القراء في كتبها. كذلك كتب الإيطالية إيلينا فيرانتي، خاصة كتاب «صديقتي المذهلة» لاقى إقبالاً كبيراً. الترجمة مزدهرة من اللغات غير الإنكليزية والفرنسية، ونحن نوليها أهمية … الرواية هي أم الفنون الكتابية. ثمة رواية تاريخية، دينية، تصوف، فلسفة، شعر واجتماع. الفكر جميعه يمكنه الدخول في إطار الرواية وأن يُقرأ بسلاسة أكبر. ولا شك في أن كتب التاريخ أقل قراءة من الرواية التاريخية التي نستمد منها المعلومات، وفي الوقت عينه تتضمن نسبة من الخيال الذي يمدها بالمتعة. وعن معرض بيروت تقول.. سجل المعرض تراجعاً من حيث الشكل في سنة 2017. كما افتقد لأي نشاط خارج عن أي فعالية خاصة يقيمها الناشر لكتبه. يحتاج المعرض لنشاطات ثقافية مواكبة ومتجددة. معرض الكتاب يفترض أن يكون عرساً ثقافياً كاملاً وليس فقط بيعاً للكتب، من حفلات موسيقية، وأفلام مقتبسة من كتب. نحن في زمن السمعي والبصري.
محاولات ناجحة رغم الصعوبات
ويرى «صالح بركات» صاحب غاليري أجيال وغاليري صالح بركات .. افتتحنا غاليري صالح بركات سنة 2016، وقدمت في العام الماضي سبعة معارض كبيرة، بدءاً من معرض جنان باشو. معرض صور فوتوغرافية لهادي سي. نحت لزياد أبي اللمع. معرض استعادي لجبران طرزي. ومن ثم معرض في غاية الأهمية عن بيروت 1960 ـ 1975 بالتعاون مع وضاح فارس. ومعرض استعادي للفنانة منى السعودي، وخُتم العام بمعرض استعادي للفنان عبد الحميد بعلبكي. وبعيداً عن صالتنا فهي سنة متميزة بالحيوية في بيروت، وزملائي جميعهم كان نشاطهم لافتا. متحف سرسق فعّال للغاية وله نشاطات مهمة. وكان حضور لبينال الشارقة في بيروت، وهذا مهم على صعيد التعاون بين المدن العربية. ونشاطنا الشخصي امتد لأجيال التي احتضنت سبعة معارض، أي ما مجموعه 14 معرضاً أنجزنا معها طباعة 8 كاتالوغات وكتابين. في لبنان كان الظرف صعباً في العام المنصرم، ولا شك في أنه ليس قبلة سياحية أساسية، لكن مع فعالية «بيروت آرت فير» زار المدينة الكثير من الأجانب منهم صحافيون ومقتنون. كما شهدت نهاية العام الكثير من الزوار الأجانب بينهم صحافيون ومقتنون. هم يشكلون حركة جيدة وليس ثقلاً اقتصادياً مهماً.


التعليقات المنشورة تعبر عن رأي أصحابها


الأسم *
البريد الألكتروني
البلد *
التعليق *
رمز الحماية: أكتب الثلاثة أرقام السوداء فقط captcha image
New Page 1