كلمة د. سامي كليب في إطلاق( صدى القيد)

المكتب الإعلامي للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، بيروت، لبنان
25-07-2017
نحمد الله أن كتابا صدر حاملا توقيع أحمد السعدات، حتى نتذكر وسط حفّاري القبور الجدد ومدّعي التدين، أن ثمة يسارا فلسطينيا لا يزال مضيئا، وأن ثمة جبهات مقاومة غير إسلامية لا تزال تحمل الراية وتناضل وتقاتل هي الاخرى من خارج وداخل المعتقلات الصهيونية، وتناضل وتقاتل من خارج ما بقي من النظام العربي الذاهب كالنعجة الى الذبح دون الحصول من إسرائيل الا على الذل...

ونحمد الله اننا في هذا الكتاب نطمئن على أن هذا القائد الفلسطيني الفذ، يزداد صلابة وايمانا بالقضية والنصر رغم سنوات اعتقاله الطويلة والمتعددة ورغم الحكم عليه بالسجن تقريبا مدى الحياة وبعد الحياة... لا بل انه يعطينا ، نحن الذين نعتقد أننا خارج الاسر، دروسا بالصمود والحرية وكيفية التعاطي مع آخر وأسوا كيان عنصري ظالم في التاريخ.

بين أيدينا كتاب يصلح لاطروحة دكتوراه، فيه هندسةُ أكاديمية تعكس ربما شيئا من شهادة الرياضيات التي حصل عليها أحمد السعدات في مقتبل الشباب، أو تشبه عقله المنظم الذي أوصله الى الأمانة العامة للجبهة الشعبية وهو ينتقل من معتقل الى معتقل ومن ملاحقة الى أخرى ومن كفاح الى نضال فأسر فكفاح فنضال فأسر ......

في الكتاب وصف لسجّان إسرائيلي يخاف من أسير فيقسم رغيف الخبز الى نصفين خشية ان يكون فيه خطر. ويُدخل ثعبانا ساما الى زنزانة أحمد السعدات ربما لقتله عن طريق الخطأ . وفيه تعاليا على الذات و رواية أسرى يُمارس ضدهم ١٦٥ نوعا من أساليب التعذيب الجسدي والنفسي والعزل بغية سحق كراماتهم وكسر الانسان فيهم. فمن الضرب والصعق والجلد والاغتصاب و حجب النور والشمس والدواء والماء، مرورا بتعرضهم للزيت المغلي من سجين آخر جنائي، وصولا الى القتل حيث نجد صفحات كثيرة زاخرة بأسماء اسرى استشهدوا جراء التعذيب أو القهر.... نتعرف في هذه الصفحات على تلك اللاحياة التي يعانيها الاسرى في معتقلات الحقد......

هنا يصبح الجلاد آلة خالية من كل إنسانية، ويصبح الأسير حقلا للتجارب....ويغمض العالم عينيه على جرائم إسرائيل التي تفاقمت منذ العام ١٩٧١ بعد سن ما عرف بقانون مصلحة السجون.... جرائم تطال الفلسطينيين ولكن أيضا كل من يتعاطف معهم ومنهم السجين والخبير النووي موردخاي فعنونو الذي أحسن السعدات في المرور على قصته ليؤكد ان اهتمام المناضلين لا ينحصر بطائفة او مذهب او عشيرة او حزب وانما بكل انسان تعرض للقهر والتعذيب والاحتلال والظلم.

في الكتاب الصغير الحجم والكبير بمعلوماته وشهاداته ورواياته والكرامة التي تنضح من بين الكلمات، نقرأ أيضا دراسة مهمة عن القانون الدولي وكيفية خرق إسرائيل لكل القوانين والمعاهدات والشرعات الدولية المتعلقة بحقوق الاسرى.....

وفي الكتاب وصف لما تُعرف بغرف" العار والعصافير " ، هي تلك الغرف التي تفنن المحتل بهندستها وزرع العملاء فيها بغية التغرير بالاسير الجديد وسحب الاعترافات منه بعد أن تكون آلة القمع والاجرام والتعذيب قد عجزت عن انتزاع شيء مهم منه.... يؤكد أحمد السعدات ان ٩٠ بالمئة من الاعترافات تتم عبر هؤلاء العملاء المعروفين بلقب العصافير ...

أما العصافير الحقيقية التي تدخل المعتقل عنوة او تسللا، أو ربما لمَّا يحن قلبها كما حنت على ابي فراس الحمداني حمامةٌ في القلعة الحلبية التي دمرها برابرة العصر في سوريا الحبيبة، فان تلك العصافير في معتقلات إسرائيل ممنوعة على الاسرى ... نعم ممنوع على الأسير مداعبة العصفور بذريعة الامن... أما الهدف الحقيقي فهو دفع الأسير لأن ينسى كل ارتباط مع الكون ....

يقول المناضل الأسير أحمد السعدات...... في الصفحة ١٠٩ ....

في العزل الانفرادي تختفي كل مفاصل الحياة، قد يختفي الفرح، ويختفي الشعور بمتعة المطر أو بشروق الشمس وغروبها، أو بزقزقة العصفور أو بنباح الكلب، أو رؤية الثلج أو الصقيع، يختفي الشعور بسلحفاة تحاول سرقة طعامها من حديقة، تختفي مراقبة نمو شجرة في حديقة المنزل أو بتفتح زهرة رمان في حديقة أخرى .... في العزل الانفرادي ينعدم الإحساس بالزمن وفواصله، ينعدم الإحساس بالليل والنهار، بالصيف والشتاء ، بالصباح والمساء ، بالقمر والنجوم والضباب ..... تنعدم في العزل كل مظاهر الحياة الاجتماعية ...

ربما أيها السادة ستقولون ان في كلام احمد السعدات يأسا ومرارة وانكسارا....

سرعان ما يأتينا الجواب نابضا بالكرامة من بين الكلمات، راشحا بالعنفوان بين السطور، عابقا بأريج البيلسان ورائحة الليمون ، مفعما برجولة المناضل الذي ولد في الرملة ونزح الى البيرة فرام الله واستقر فوق مجد النضال... يقول أحمد السعدات ... ( ص ١١٤ )

ان الأسرى : " تعلموا كيف يطوعون واقع السجن وتحدياته، فعاشوا في السجن دون أن يعيش السجن فيهم... تعلموا كيف يقطعون الوقت دون ان يقطعهم ... ان تجربة العزل وحدت الاسرى من المشارب الفكرية والسياسية والاجتماعية كافة.... ان صمودهم ناجم عن صلابة انتمائهم العقائدي والوطني ، وهذا ما كسر أهم اهداف العزل بقطع الارتباط بين المناضل والجماعة ... "

ثم يقول متوجها الى رفاقه الاسرى .. رفاقنا وفلذات أكبادنا ص ١٤٧
" لا تسمح للسجن بالتسلل الى داخلك، وتذكّر على الدوام أنك في كل منعطف صعب لا تمثل نفسك وحدك ، بل تمثل كل شعبك، وقبل ذلك اسرتَك . ابناءك ، بناتِك ، زوجتَك ، أمك ، أباك واخواتِك واصدقاءَك ، وتمثل فوق الجميع رفاق دربك ، وفي هذه الحالة يجب أن تشكل عنوانَ عزةٍ وكرامةٍ ونموذجٍ عصي على الكسر ...

لكن ، أيها الاخوة ..... هل تعلمون ما الذي أساء كاسرائيل وأكثر للأسرى ؟ انها المفاوضات العقيمة ، و الانقسام الفلسطيني، والمتاجرة بالقضايا، وجعل قضية الاسرى لعبة تفاوضية .....

فكيف لا يقول احمد السعدات ( ص ١٥٢ )

اما على المستوى الوطني فقد عجزت المفاوضات الإسرائيلية الفلسطينية على مدى أكثر من عشرين سنة عن تفكيك مستوطنة واحدة او وقف تسونامي الاستيطان او إعادة لاجيء واحد الى الأرض التي اقتُلع منها عام ١٩٤٨ . وما أنجزته ( هذه المفاوضات ) على صعيد الاسرى الذين استخدمتهم إسرائيل كرهائن وأوراق ابتزاز للفريق المفاوض ممن تسميهم إسرائيل بالملطخة أيديهم بالدماء كان هزيلا لم يتعد تحرير الشهيد أبو السكر وسعيد العتبة وأبو علي يطا ... ومع ذلك لا يزال البعض في الهرم القيادي الاول لمنظمة التحرير الفلسطينية يمني النفس بالمراهنة على المفاوضات نفسها وبالمرجعيات القائمة لتحقيق الأهداف، كما يكبح أية محاولات جدية لمغادرة هذه الدائرة وشق الطريق النضالي المجرب القادر على تحقيق الأهداف وإعادة الاعتبار للمقاومة الشاملة كعتبة لتحقيق الأهداف والإنجازات التي يمكن البناء عليها ...

نعم ان احمد السعدات على حق حين نعلم ، ان عدد المستوطنين في الضفة ارتفع من 111 ألف إلى 750 ألفا بعد توقيع اتفاقية أوسلو ، وان عدد المستوطنات او الكتل الاستيطانية زاد ستمئة مرة ، وان فلسطينيين مضطرون للعمل في المستعمرات للحصول على لقمة العيش بينما مئات مليارات الدولارت تُنهب عنوة من خزائن العرب.....

120 الف فلسطيني أيها الاخوة اقتلعوا من ارضهم بعد اقامة جدارالفصل العنصري وتم تجريد أكثر من 15 ألف مقدسي من حق الإقامة في القدس... وها هي إسرائيل تهود التاريخ والحاضر وشجر الزيتون والعنب والتين والرمان ....

اننا ونحن نحتفل باطلاق كتاب " صدى القيد" للمناضل الأسير أحمد السعدات ، نستعيد ذكرى ثورة ٢٣ يوليو وذكرى الزعيم جمال عبد الناصر ، ونشاهد بام العين الى أين وصل الذل العربي عبر الصمت المريب والمشبوه لما يحصل في القدس وفي الحرم القدسي، ونشاهد تسويات عربية فرضت على غزة المطوقة وعلى حركة حماس التفاوض مع وعبر السيد محمد دحلان للخروج من الطوق، ونشتم رائحة صفقة تدار في الكواليس لانهاء الصراع العربي الإسرائيلي وفرضه على الشعب الصامد الصابر المقاوم ....مقابل اللاشيء ، اللهم سوى تثيبت نظام هنا وعرش هناك على أساس ان ايران هي العدو...
لكننا أيها السادة نشهد أيضا تماسكا في محور المقاومة، وقلقا إسرائيليا متعاظما، واندحارا لمشروع الإرهاب المدعوم من دول كثيرة إقليمية ودولية ... وربما للمرة الاولى نشهد تحولا كبيرا في مشهد الشرق الاوسط ....
قالها يوما احمد السعدات ، ان العين بالعين والسن بالسن والرأس بالرأس .... وقالها حكيم الثورة الدكتور جورج حبش ان الثورة قامت لتحقق المستحيل لا الممكن.... وقالها جمال عبد الناصر ان ما اخذ بالقوة لا يسترد بغير القوة .... وقالها ويقولها من أجبر إسرائيل على اطلاق سراح عميد الاسرى سمير القنطار ....

منذ عام ١٩٤٨ ، أسرت إسرائيل مليون فلسطيني، ولا يزال الآلاف وبينهم من هم اسرى من قبل أوسلو في معتقلاتها، وأعترفت باجراء تجارب طبية على بعض الاسرى.. وهي تقمع وتقتل ...ولكن بربكم قولوا لي ، كيف لم تستطع كسر كرامة شاب فلسطيني في مقتبل العمر لا يزال يحمل روحه على كفه ويذهب ليلقي حجرا على جندي او مستعمر وهو مدرك انه لن يعود ....

فشكرا لأحمد السعدات على درس الحرية في كتابه " صدى القيد" ودرس الشرف والكرامة والعزة والصمود، وشكرا لدار الفارابي الذي تفضل بنشر هذا الكتاب ..... وشكرا لمنظمي هذا الحفل ...لقد وصل الينا الصدى جديا أيها الرفيق احمد .
وشكرا لكل من لا يزال مؤمنا بأن كل مفاوضات الذل مع إسرائيل لم تحم شجرة زيتون واحدة، واننا سنبقى أمة خانعة ذليلة غارقة بالفتن مطأطاة الراس كالنعامة في الرمل وتحت الحضيض ، ما لم نُعد توجيه البوصلة الى جوهر قضايانا ،،، فلسطينة الحبيبة ....



التعليقات المنشورة تعبر عن رأي أصحابها


الأسم *
البريد الألكتروني
البلد *
التعليق *
رمز الحماية: أكتب الثلاثة أرقام السوداء فقط captcha image
New Page 1