الوضع الفلسطيني بين الهم الوطني والمطالب المعيشية ..

آماد- محمد جبر الريفي
08-09-2015
لم يمر على الوضع الفلسطيني حاله أكثر بؤسا من المشهد الذي هو عليه الآن فالقضية الفلسطينية التي كانت تحتل مكان الصدارة في اهتمام المجتمع الدولي قد تراجعت الآن ولم تعد تثير اهتمامه أو تعاطف منظماته ومؤسساته لأن الاهتمام الدولي أخذ يولي اهتماما اكبر بالصراعات الداخلية التي تحدث في المنطقة والتي وصلت إلى حد الحروب الأهلية بين جيوش الأنظمة وحركات المعارضة المسلحة على اختلاف توجهاتها والتي لها علاقة بقوى عربية وأجنبية تدعمها والوضع الداخلي الفلسطيني له دور كبير في ما يحدث من تراجع للقضية الفلسطينية لأن العالم لا يهتم إلا بإرادة الأقوياء وقدرتهم على صنع الاحداث وشعبنا الفلسطيني ونظامه السياسي وحركته السياسية والكفاحية أضحت كل هذه المكونات غير قادرة على صناعة الحدث ولفت اهتمام الرأي العام الدولي كما كان الحال في زمن توهج الثورة الفلسطينية في لبنان وقبل ذلك في الأردن وكذلك في فترة تفجر الانتفاضة الأولى وانتفاضة الأقصى فالمكونات الوطنية يسود فيها الان عامل التجزئة السياسية والجغرافية ويؤثر فيها سلبا طابع الخلاف الإيديولوجي وكل ذلك الوضع البائس يغذيه استمرار مظاهر الانقسام السياسي ويحركه الهم المطلبي المعيشي الذي طغى على الهم الوطني الذي لم يعد هذا الاخير يثير الشارع كما كان يحدث قبل هذا الانقسام البغيض ...في الضفة الغربية جرائم المستوطنين البشعة التي تحركها كراهية عنصرية والاجتياح اليومي لباحات الأقصى ومحاولة تقسيمه زمنيا ومكانيا ما زالت هذه الجرائم والممارسات تقابل بردود مقاومة فردية بعيدة في الغالب عن أي إطار فصائلي يقوم بها شبان فلسطينيين على الحواجز العسكرية بدافع وطني ويكون مصيرهم غالبا الاستشهاد من جراء إطلاق الرصاص عليهم بدم بارد من جنود الاحتلال. .لم تصل هذه المقاومة إلى درجة انتفاضة ثالثة تربك سياسات حكومة الكيان اليمينية المتطرفة الذي تمادت في طرح خطابها العنصري الفاشي. ...أصبح ما يثير اهتمام الشارع هو الهم المطلبي المعيشي كأزمة دفع رواتب موظفي السلطة الوطنية في الضفة وغزة كما حدث قبل فترة ليست بعيدة بسبب حجز أموال الضرائب الفلسطينية من قبل حكومة الاحتلال كأسلوب ضغط على القيادة الفلسطينية وكذلك أزمات غيرها من الأزمات الإقتصادية والتي جعلت القضية الوطنية عنوانها البارز في هذه المرحلة طلب الأموال من الدول المانحة للخروج من هذه الأزمات التي تتولد باستمرار بسبب سياسات الاحتلال مما جعل القضية الوطنية الفلسطينية في المشهد السياسي الدولي قضية خدمات إنسانية لتلبية حاجات يومية معيشية وليست قضية تحرر وطني وهذا الانطباع لم يكن موجودا عند منظمات المجتمع الدولي قبل اتفاقية اوسلو وإنشاء السلطة الوطنية حيث كانت تشكل منظمة التحرير الفلسطينية بنضالها الوطني السياسي والكفاحي بعدا وطنيا تحرريا للقضية الوطنية ...هكذا أصبح الشارع الفلسطيني كالشوارع العربية في بلدان الربيع العربي التي حركتها الهموم المعيشية والظلم الاجتماعي بحيث غابت عن الحراك السياسي فيها الشعارات الوطنية والقومية ومفردات التحرر والاستقلال الوطني الكامل والخلاص من علاقات التبعية السياسية والاقتصادية .. في قطاع غزة وطغيان الهم المطلبي المعيشي على اهتمام الشارع شاهدنا كيف استطاعت أزمة وكالة الغوث الاونروا المالية من دفع عشرات الآلاف من موظفي الوكالة للخروج إلى الشارع بمسيرة لم يشاهدها القطاع من قبل وقد تجسدت هذه الأزمة في الواقع الفلسطيني الحالي المأزوم سياسيا واقتصاديا أولا كهم مطلبي معيشي وهذا شيء طبيعي للتعبير عن الرفض لقرارات الوكالة لأن وكالة الاونروا وجدت اصلا في بداية عقد الخمسينات بعد نكبة عام 48 لتشغيل الاجئين الفلسطينيين ولكن كان علي المسيرة أن تتوجه ايضا بعد ذلك الى معبر بيت حانون ( أيرز )للمطالبة بحق العودة فالدلالة الرمزية كبيرة في اختيار جغرافية المكان فالمسيرة نحو المعبر هو ثبات على الموقف الوطني برفض سياسة التوطين والتجنيس بينما التوجه فقط إلى مقر الوكالة هو إستكانه لواقع اللجوء ... المصالحة الفلسطينية التي حصلت قبل ما يزيد عن عام بتشكيل حكومة توافق وطني لم تنه هذا الانقسام البغيض الذي الحق أضرارا بالغة بمكانة القضية على المستوى العربي والدولي بل إن هذا الانقسام يتكرس وتتجذر مظاهره يوما بعد يوم بسبب الإجراءات والمواقف التي تمارس بشكل منفرد كالسعي عبر وساطة عربية وإقليمية ودولية للوصول إلى اتفاق تهداة طويلة بين حماس والكيان مقابل فك الحصار للخلاص من الهموم المعيشية التي يعاني منها سكان القطاع كأزمة معبر رفح وأزمة الكهرباء وكان الأولى أن يتم السعي بدافع الهم الوطني الكبير للخلاص النهائي من الانقسام السياسي من خلال إعطاء حكومة التوافق كل الصلاحيات للقيام بتحمل المسؤلية لحل كل الأزمات السياسية والاقتصادية التي تثقل كاهل المواطن الغزي ... لم يدفع الانقسام السياسي الشارع في القطاع للتحرك بمسيرة واحدة حاشدة كالتي نظمها موظفي الوكالة مطالبة بوحدة الموقف الوطني بل أصبح ما يثير غضبه أزمة انقطاع التيار الكهربائي وتدني مستوى خدمات الصحة والشوارع وخلال ذلك اعتاد على سمع المناكفات السياسية والسؤال الكبير أي جهد على شعبنا وقواه السياسية ومؤسسات نظامه السياسي كالمجلسين التشريعي والوطني أن يتم بذله حتى تبقى القضية الوطنية محافظة على بعدها الوطني التحرري بحيث لا تتحول نهائيا إلى قضية معيشبة ومنح مالية من الاتحاد الأوروبي وغيره ..


التعليقات المنشورة تعبر عن رأي أصحابها


الأسم *
البريد الألكتروني
البلد *
التعليق *
رمز الحماية: أكتب الثلاثة أرقام السوداء فقط captcha image
New Page 1