اختلاقُ إسرائيل القديمة: اللحظة الحاسمة والتحوّل في النموذج. د. وسام فقعاوي

بوابة الهدف الإخبارية
17-09-2022
في كتابِهِ "اختلاق إسرائيل القديمة" يُركّز مُؤلِفُه "كيث وايتلام"؛ على أنّه تعاقبت على فلسطين القديمة حضاراتٌ عدّة، وأنّ إسرائيل القديمة لم تكن إلا "خيطًا رفيعًا في نسيج التاريخ الفلسطينيّ الغنيّ"، وبعد أن جُرّد الفلسطينيون من أرضهم، فإنّ خطابَ الدراساتِ التوراتيّة متورّطٌ في عمليّةِ تجريد الفلسطينيين من ماضيهم أيضًا، وذلك من خلال بحث هذه الدراسات المتواصل عن إسرائيل القديمة وتكرارها لعددٍ من الادّعاءات التي تربط الماضي بالحاضر، وتجاهلها للمعلومات الأثريّة الجديدة التي تعطي صوتًا للتاريخ الفلسطينيّ؛ فالمعلوماتُ الأثريةُ تستجلي المعلومات من البقايا الماديّة للإنسان، ولأنَّ الشعبَ الفلسطينيَّ كان موجودًا على أرض فلسطين منذ أقدم العصور، لا بدَّ أن تَكّشفَ التقنياتُ الأثريةُ هذه الآثار المادية. وقد أسفرت هذه الكشوف بالفعل عن جوانبَ متعدّدةٍ من التراث الثقافي والروحي الضخم الذي خَلَفتهُ الشعوب العربية القديمة وبخاصة الكنعانيّة، التي استقرّت في فلسطين مع مطلع العصر التاريخي. ولكن السلطات اليهوديّة المهيمنة على الكشف الأثريّ؛ تعمل على طمس معالم الحضارة العربيّة الكنعانيّة.
بالنسبةِ للدراساتِ التوارتيّة، بحسب "وايتلام"؛ هناك لحظتانِ حاسمتانِ في تاريخ إسرائيل القديم: الأولى هي "نشوء" إسرائيل في فلسطين، وذلك في الفترة الزمنيّة التي تُعدّ فترة انتقال بين العصر البرونزي المتأخّر وأوائل العصر الحديدي. والثانية هي تطوّرُ إسرائيلَ متمثلةً في مملكة داود وسليمان – حسب الرواية التوراتيّة – "قوّةً عظمى" أو "إمبراطوريّة" في العصر الحديدي. وقد تعززت المزاعم الصهيونيّة من جرّاءِ ربط الدراسات التوراتية بين إسرائيل القديمة والحديثة، والتركيز على الاستمرارية المباشرة بينهما، مما مكّن الصهيونيّة من الادّعاء بأنّ إسرائيل المعاصرة ما هي إلا "إعادة بناء" لما كان موجودًا في السابق، وهذهِ الأداة البلاغيّة المهمّة أدّت دورًا خطيرًا في طمس التاريخ الفلسطيني.
فيما يُستعملُ تعبيرُ تحوّلٍ في النموذج في مناهج البحث العلمي؛ إذ يشهد العالم بين الحين والآخر "تحوّلًا في النموذج"، بمعنى نقلة نوعيّة؛ تحدث عندما تتغيّر إحدى الفرضيّات الأساسيّة التي كانت سائدةً لفترةٍ طويلةٍ من الزمان؛ فمثلًا حدث تحوّلٌ في النموذج عندما تغيّرت نظرتنا إلى العالم من الاعتقاد بأنّ الأرضَ هي مركزُ الكّون إلى القول: إنّ الأرض تدور حول الشمس. وحصل تحوّلٌ آخرُ عندما اكتشف آينشتاين العلاقة بين الزمان والمكان بين المادة والطاقة. كل من هذه التحوّلات أخذ وقتًا طويلًا لكي ينفذ إلى المجتمع العلمي، ووقتًا أطول لكي يصبح مقبولًا لدى الجمهور العام.
يذهب "وايتلام" إلى أنّ موضوع نشؤ إسرائيل وجذورها التاريخيّة، بحاجةٍ إلى مثل هذا التحوّل في النموذج، أمّا النموذج السائد حتّى الآن؛ نتيجةً لتزييف التاريخ القديم للمنطقة على أيدي الباحثين التوراتيين، فهو أنّه كانت هناك "مملكة إسرائيلية عظمى" حكمها داود ثم سليمان في فلسطين حوالي 1200 ق.م، وهي فترة الانتقال بين العصر البرونزي المتأخر وأوائل العصر الحديدي. لكن المُؤلف يُبيّن أن هذا مجرّدَ وهم زائف، ويدعو إلى إحلال نموذجٍ آخر محلّه؛ موضّحًا أنّ إسرائيل التاريخيّة هذه لم تكن إلا لحظةً عابرةً في مسيرة التاريخ الحضاري لفلسطين القديمة، وأنّ على الباحثين الاهتمام بتاريخ فلسطين القديم موضوعًا قائمًا بذاته، وليس خلفيّةً لتاريخ إسرائيل كما هو حاصل في الدراسات العلمية اليوم؛ تلك الدراسات التي أسكتت التاريخ الفلسطيني القديم ومنعته من التعبير عن نفسه. ومن ثم يدعو المُؤلف إلى ضرورة كتابة تاريخ فلسطيني قديم من منظورٍ فلسطينيّ؛ لأنّ المنظور الفلسطيني لم يركّز في صراعه مع الصهيونيّة إلا على الفترة الحديثة؛ لإثبات هُويّته وللحصول على دولةٍ خاصّةٍ به. فالتاريخُ القديم، في رأي المؤلف، قد تمَّ التنازلُ عنه لمصلحة الغرب ودولة إسرائيل الحديثة. ولهذه الدراسة انعكاساتها القوّية على التاريخ الحديث؛ لأنّها تهدمُ الحجة الأساسيّة للصهيونيّة، وهي العودة إلى دولة الأجداد.


التعليقات المنشورة تعبر عن رأي أصحابها


الأسم *
البريد الألكتروني
البلد *
التعليق *
رمز الحماية: أكتب الثلاثة أرقام السوداء فقط captcha image
New Page 1