المناضل التاريخي صلاح صلاح يقدّم مراجعة تاريخية نقديّة لأوضاع اللّاجئين في لبنان

بوابة الهدف الإخبارية
17-09-2022
أشار المناضل والقيادي التاريخي وعضو المكتب السياسي السابق للجبهة الشعبيّة لتحرير فلسطين، صلاح صلاح إلى أنّه تم الحديث بشكل كبير عبر وسائل الإعلام المختلفة حول ملف حقوق اللّاجئين الفلسطينيين في لبنان، كما صدرت ملفات خاصة به في عدة صحف، وتم تناوله في لقاءات متكررة من قبل قيادات فلسطينية ومسؤولين دوليين، ووفود عربية وأجنبية مع المرجعيات اللبنانية على كل المستويات إلّا أنّه لم يتم التوصّل إلى نتائج عمليّة تحد من معاناتهم.
ولفت خلال ورقة قدمها في الندوة العالمية التي نظمتها "دارة فلسطين"، بمناسبة مرور أربعين عاماً على مجزرة صبرا وشاتيلا، إلى أنّ ملف اللاجئين الفلسطينيين في لبنان لازال مغلقاً، حيث تستمر الأنظمة والقوانين التي تحرم الفلسطينيين من التمتع بحقوقهم المدنية والاجتماعية المكفولة بمواثيق واتفاقات عربية ودولية، ما أدّى لنتائج اقتصادية واجتماعية وسياسية وأمنية ضارة بالفلسطينيين، مشدّدًا على أنّه لا بُدَ من قرع الجرس، للتنبيه إلى مخاطر عدم معالجة هذا الوضع وتفاقم مضاعفاته.
ودعا صلاح إلى ضرورة تبني شعار «حقوق مدنية وصولاً لحق العودة» استجابة للحاجة المُلحة إلى التحرك للمطالبة بأبسط الحقوق الإنسانية التي تمكّن الإنسان الفلسطيني من أن يعيش بكرامة إلى أن تحين عودته إلى وطنه، وبيته وممتلكاته التي هُجّر منها عام ١٩٤٨ وليس لأي مكان آخر.
وفي سياق حديثه، أوضح صلاح أن الفلسطينيين لم يعوا خطورة القوانين التي تحرمهم من حقوقهم السياسية والقوانين اللبنانية الجائرة التي تحرمهم من حقوقهم المدنية والاجتماعية والتي ترافقت مع بداية لجوئهم إلى لبنان، لأنهم لم يعانوا من تأثيراتها إلا في السنوات الأخيرة، بعد الحرب الأهلية عام 1976.
وأرجع صلاح "عدم الإدراك" هذا، إلى توفر فرص العمل بكثرة وبسهولة أمام الفلسطينيين في وكالة الغوث التي كانت بأمس الحاجة إلى المؤهلات والكفاءات والمهارات التي يتحلى بها الفلسطيني، إضافة إلى دعم دول النفط من السعودية إلى الكويت ودول الخليج إلى ليبيا .
وتابع: "العوامل السابقة إلى جانب وجود منظمة التحرير الفلسطينية ثم الفصائل والمؤسسات التي أنشأتها في جميع الميادين الاقتصادية والاجتماعية والثقافية إضافة إلى العسكرية والأمنية، والخدمات التي كانت تقدمها لا سيما على صعيد الصحة والتعليم والبنى التحتية، كل هذا أغنى الفلسطينيون عن المطالبة بالحقوق المدنية والاجتماعية لأنهم لم يشعروا بضغطها عليهم".
ونوّه صلاح إلى أنّ منظمة التحرير الفلسطينية حتى عام ١٩٨١ كانت بوضع تستطيع معه أن تصل إلى اتفاق مع الدولة اللبنانية يقضي بتعديل القوانين بما يُمكّن الفلسطينيين من ممارسة حقوقهم المدنية والاجتماعية، إلّا أنّها لم تفعل ذلك لأنها كاللّاجئ الفلسطيني لم تكن تشعر بخطورة هذه القوانين.
وأفاد صلاح بأنّ الهاجس الضاغط على الفلسطينيين كان يتمثل في الإجراءات الأمنية الصارمة التي فرضت على المخيمات تطبيقاً لقانون الأحكام العرفية الذي صدر عام ١٩٥٩ بعد ما سُمّي «ثورة لبنان عام ١٩٥٨» والتي دفع ثمنها الفلسطينيون، مع أنهم لم يكونوا طرفاً فيها.
وأضاف: "كانت هذه الإجراءات هي الكابوس والهم الأكبر، الذي يؤذي كل القيم والمشاعر الإنسانية، وتحّولت المخيمات إلى سجون بكل معنى الكلمة، تخضع لسلطة الشعبة الثانية (الأمن)، ولم يكن الفلسطينيون يدركون مخاطر أي قوانين أخرى غير قانون الأحكام العرفية الذي يحرمهم ممارسة حقهم بالحرية".
وأشار إلى أنّه في ظل تكرار المخاطر الأمنية التي طغت على ما عداها عام ١٩٧٥ وبعد عام ١٩٨٢ ومنها الاجتياح "الإسرائيلي" ومجزرة صبرا وشاتيلا وتناوب الأعمال العدوانية على الفلسطينيين من "إسرائيل"، لا سيما المخيمات، لم يكن هناك أي مجال للتفكير بالحقوق المدنية والاجتماعية، مضيفاً القول: "لقد كان الحفاظ على صياغة البقاء حياً وإبعاد شبح الموت هو الأساس".
وفي سياقٍ موازٍ، أفاد صلاح بأنّه "بعد اتفاق الطائف جرى الحديث بشكل جدي ورسمي حول الحقوق المدنية والاجتماعية للفلسطينيين في لبنان وذلك إثر اتصالات من الأطراف التي رعت الطائف والتي تقول بأن مرحلة التعايش وإنهاء الحرب الأهلية تستوجب معالجة الوجود الفلسطيني في لبنان؛ وهكذا جرى ترتيب لقاء ثنائي بين الوفدين الفلسطيني واللبناني على هامش اجتماع وزراء الخارجية العرب في القاهرة عام ١٩٩١ تقرّر فيه بدء صفحة جديدة من العلاقات بين الطرفين، وتحديد جدول أعمال بالعناوين التي تحتاج إلى معالجة لتصحيح العلاقة وهي : الوجود العسكري ، الوضع الأمني للمخيمات ، الحقوق المدنية والاجتماعية"..
وأضاف: "إثر هذا الاجتماع توبعت الاتصالات واللّقاءات في لبنان مع الفصائل الفلسطينية من الطرف اللبناني ومعي شخصيًّا من الطرف السياسي لتنفيذ النقاط الثلاث على جدول الأعمال الذي جرى الاتفاق عليه في القاهرة".
وفي الجانب المتعلّق بالوجود العسكري، أوضح صلاح أنّه تم الاتفاق على انكفاء جميع المقاتلين إلى داخل المخيمات وإخلاء القواعد العسكرية من المناطق والأحياء اللبنانية، علاوةً على جمع السلاح الثقيل والمتوسط وتسليمه هدية للجيش اللبناني بناءً على كشوف دققها الضباط المكلفون بمتابعة الموضوع، وأخيرًا أن يبقى السلاح الخفيف بيد حامليه داخل المخيمات ولا يجمع منهم أسوة باللبنانيين.
وفي الوضع الأمني تم الاتفاق على أن يكون الأمن داخل المخيمات شأناً فلسطينيًّا، وأن يكون الكفاح المسلح مسؤول عن الأمن داخل المخيمات، إضافةً إلى التنسيق مع المرجعيات الفلسطينية لجلب واستدعاء المطلوبين أمنيًّا.
وأشار صلّاح إلى أنّ الوفد اللبناني أبلغ نظيره الفلسطيني أنّ الدولة اللّبنانية توافق على كامل الحقوق المدنية والاجتماعية للفلسطينيين في لبنان، مستدركاً القول: "لكن هذا الملف لم يتم إغلاقه على أرض الواقع وبقي ملف الأمن والحقوق الاجتماعيّة عالقًا".
وفي السّياق ذاته، لفت صلاح إلى أنّه تم تشكيل لجنة جديدة في تموز من العام ١٩٩١ مكونة من وزيرين لبنانيين يقابلهما ممثلان لجميع الفصائل الفلسطينية للحوار حول الموضوع الثالث "الحقوق المدنيّة والاجتماعية" المُقر على جدول الأعمال في القاهرة، وتابع القول: " لقد كرّر أعضاء اللّجنة الوزارية اللبنانية الثانية ما سبق وطرحه أعضاء اللجنة الأولى بأن الدولة اللبنانية توافق على إعطاء الفلسطينيين كامل حقوقهم المدنية والاجتماعية باستثناء الجنسية والوظائف العامة، وعندما استفسر الوفد الفلسطيني عن المقصود بالوظائف العامة أجيب بأنها المتعلقة بأجهزة ومؤسّسات الدولة ووزاراتها".
وأتمّ القول: "بناءً على طلب من الطرف اللبناني قدم الطرف الفلسطيني مذكرة تتضمن وجهة النظر الفلسطينية بإجماع الفصائل حول الحقوق المدنية والاجتماعية، والتي كان من بينها الإقامة، حق التنقل، حق العمل، التعليم والتدريب المهني، العمل النقابي، المهجّرون، حق الملكية ومساواة الفلسطيني المقيم في لبنان باللبناني فيما يخص دفع رسوم التسجيل، حيث لم يكن قد صور قانون منع الملكية".
وبحسب صلاح، حمل مضمون المذكرة استعداداً للتعاطي الإيجابي مع ما تناولته من موضوعات، كما تم تنظيم اجتماع مشترك ساده مناخ في غاية التفاهم والتفاؤل، وُضعت خلاله آليّة عمل يتابع الجهد على تطبيقها في اجتماع لاحق إلّا أنّ هذا الاجتماع لم يعقد حتى اللّحظة رغم اللّقاءات والاتصالات والوعود التي أعطيت من قبل الحكومات المتعاقبة منذ ذلك التاريخ.
وأشار صلاح إلى أنّ الإجراءات التي اتخذت عام ١٩٩١ بوضع حواجز الجيش اللبناني على مداخل مخيمي صيدا وصور كان من المفترض أن تكون مؤقتة، إلّا أنّها لا زالت موجودة، وأضيف لها لاحقاً -المهمة غير المفهوم دوافعها ولا مبرراتها- بمنع إدخال مواد إعمار وبناء للمخيمات إلا بإذن وحالات ضروريّة.
وفي سياق حديثه، تطرّق صلاح إلى قرار عام 1995 الذي أصدرته الحكومة اللبنانية والذي يشترط الحصول على تأشيرة مسبقة للخروج والدخول إلى الأراضي اللبنانية -وقد اضطرت الدولة اللبنانية لإلغائها عام ١٩٩٩، مستذكرًا قانون 2001 الذي وصفه كثيرون بأنه في غاية العنصرية لأنه يستثني الفلسطينيين فقط من كل دول العالم من حق التملك لبيت يسكنه أو شراء عقار يستثمره.
وأردف القول: "فكما أن هذا القانون يمنع التملك فهو أيضاً يطرح إشكالية على من سبق وحاز ملكية عقار أو بيت هي أنه لا يحق له توريثه لأي من ورثته الفلسطينيين، وتم التوريث على أساس عدم البيع بين الإخوة وإنما للبناني"
وتساءل صلاح: "لماذا هذه السياسة والقوانين والإجراءات «العنصرية»؛ لا جواب رسمياً من أي جهة لبنانية يعطي تفسيراً بحيثيات منطقية، لكن ما يمكن أن نجمعه من تسريبات أو تصريحات لوسائل الإعلام أو أثناء اللقاءات مع الوفود يشير إلى أنّ المسؤولين في لبنان يعتقدون أن التسوية السياسية التي بدأت مسيرتها في مدريد وأنتجت أوسلو والآن خارطة الطريق وغيرهما ستحمل حلاً لمشكلة اللاجئين".
ورد صلاح على وهم المراهنة على اتفاقيات التسويّة قائلًا: "نحن الآن في عام ٢٠٢٢ أي بعد ٣١ سنة من مؤتمر مدريد و ٢٩ سنة من اتفاق أوسلو، ولم يتحقق السلام ولن يتحقق كما أتضح من مشروع الصفقة التي حاول باراك فرضها على الفلسطينيين و بدعم أمريكي في كامب ديفيد رقم ٢، و في المبادرة العربية في قمة بيروت التي تعاملت معها إسرائيل بازدراء، و في كل ما يقوم به الكيان الصهيوني من إعادة احتلال مناطق السلطة و ما رافقه من مجازر، إلى بناء الجدار، إلى توسيع المستوطنات و غير ذلك الكثير من الأمثلة التي تؤكد أن لا سلام على المدى المنظور".
واستطرد القول: "أضف لما سبق أن موضوع حق العودة بموجب قرار الأمم المتحدة رقم/١٩٤/ الذي يستوجب عودة اللاجئين إلى بيوتهم وممتلكاتهم، التي أجبروا بالإرهاب على مغادرتها عام ١٩٤٨، هو موضوع صراع طويل مع العدو الصهيوني. نحن نصر عليه، ونتمسك به ونرفض أي حلول أخرى بالتوطين والتجنيس، لكننا ندرك أن تحقيقه لن يكون سهلاً ولا قريباً"..
وحول الاتهامات الجارحة التي توجه للفلسطينيين بأنهم سيتخلون عن المطالبة بحق العودة، علّق صلاح قائلًا: "هذا كلام يحمل إساءة، لنضال الشعب الفلسطيني ويشكّك بوطنيته، هذا ما نرفضه وإذا كان أصحاب هذا الرأي قد انتبهوا لمخاطر التوطين في السنوات الأخيرة فقط، فإن الفلسطينيين يقاومون منذ أوائل الخمسينيات حتى الآن".
وشدّد صلاح على أنّ الثورة الفلسطينية التي انطلقت في منتصف الستينات، وقدمت عشرات الألوف من الشهداء والجرحى، هو الثمن الذي يدفعه الشعب الفلسطيني ومعه إخوانه العرب وحلفائه من العالم لنيل حقه بالعودة إلى وطنه ودولته المستقلة.
وبرهن حديثه بتأكيده أنّ الفلسطينيين في سوريا وبلدان المهجر يتمتعون بكامل حقوقهم، ورغم ذلك نجد نشاطهم حول حق العودة أضعاف مما هو في لبنان "مما يعطي أمثلة ملموسة على عدم صوابيّة أصحاب هذه النظرية".
ودحض صلاح ادّعاء البعض بأنّ أن تحسين أوضاع الفلسطينيين يعني توطينهم والتسبب بخللٍ في التركيبة الطائفية للمجتمع اللبناني؛ معرباً عن أنّ هذا تضليل وأنّه لا منطق من وراء القول بأن تحسين أوضاع اللاجئين يعني توطينهم لأن الأول (تحسين الأوضاع) شأن اقتصادي، اجتماعي وإنساني، وله علاقة بتلبية الحاجات الإنسانية والمتطلبات الحيوية للإنسان، في حين أن الأمر الثاني (التوطين) موضوع سياسي يجري تحقيقه في إطار حل سياسي يجري التوافق عليه بين الأطراف المعنية، والفلسطينيون يقاومون لحق الوطن.
وأفاد صلاح بأنّ "الخلل في التركيبة الطائفية للمجتمع اللبناني تحدث فقط في حال حصل تجنيس الفلسطينيين كما حصل في الأردن، مما يتيح لهم المشاركة في الانتخابات البرلمانية والبلدية ويشتركون بالوزارات وغيرها من الحقوق ذات الصّلة، وهذا ما لم يطالب به الفلسطينيون يومًا".
في سياقٍ متصل، استنكر صلاح تبرير السياسة اللبنانية تجاه الفلسطينيين بالإشارة للوضع الاقتصادي الصّعب وارتفاع نسب البطالة بين اللبنانيين، وأن السماح للفلسطينيين بالعمل يعني "أخذ اللّقمة من فم اللّبنانيين"، مشيرًا إلى أنّ الفلسطينيين ساهموا في إعمار لبنان وتطوره بما أدخلوه إلى البلد من رأسمال بعد النكبة، وبقوة وجهد كفاءات علمية، ويد عاملة مثابرة وماهرة.
وقال صلاح: "إنّ من لا يعمل وليس له دخل هو الذي يشكل عبئاً على المجتمع وليس الذي يساهم بالاقتصاد ويعمل واصلًا الليل بالنّهار".
وطالب صلّاح بضرورة إزالة الحواجز من محيط المخيمات، وإلغاء الإجراء بمنع إدخال مواد إعمار وبناء المخيمات، إضافة إلى منح حق العمل، بالاستناد إلى حيثيتين: مؤتمر القمة الذي أجاز للفلسطينيين العمل في الدول العربيّة، وقانون الاستثناءات الذي يسمح لأبناء الأم اللّبنانية، والمتأهل من لبنانية، والمقيم في لبنان العمل بدون إجازة.



التعليقات المنشورة تعبر عن رأي أصحابها


الأسم *
البريد الألكتروني
البلد *
التعليق *
رمز الحماية: أكتب الثلاثة أرقام السوداء فقط captcha image
New Page 1