جدل العلاقة بين "المركزية" والديمقراطية" في البناء الحزبي قراءة أوَّلية في مقال "الديمقراطية ومستقبل أحزاب وفصائل اليسار الماركسي في بلادنا"

بوابة الهدف الإخبارية- أحمد بهاء شعبان
24-07-2022
تماماً كما اعتدنا في كل كتابات رفيقنا المناضل المتميز، وأستاذنا الكاتب الكبير، "أ. غازي الصوراني"، يُقدم لنا في مقالته المُكثّفة؛ والمعنونة بـ "الديمقراطية ومستقبل أحزاب وفصائل اليسار الماركسي في بلادنا"، درساً جديداً، عميقاً وخلّاقاً، حول وعي جدليات المنهج الماركسي، وآليات تفعيله، في مواجهة واقع مُتغير شديد التعقيد، وتطورات حياتية متواترة بالغة الصعوبة.
يهتم "أ. غازي الصوراني"، أكثر ما يهتم، وهو مُحق، بالأداة، أو السلاح، الذي يجب أن تتملكه الطليعة النضالية الثورية، لكي تحقق أهدافها، وتخرج من الدائرة الجهنمية التي تدور فيها، بلا طائل، منذ عقود استطالت حتى ألقت بظلالها المأساوية على الواقع الفلسطيني والعربي المُعاش، وهذا السلاح هو الآلة التنظيمية الفاعلة، أو المُحَرِّكُ"، (الموتور) الذي يدفع المجتمع في مواجهة خصوم قضيته، ويوفر له شروط الانتصار على قوى عتيدة تفوقه عدداً وعتاداً.
عنصران أساسيان يؤكد عليهما "أ. غازي": الإطار التنظيمي الثوري، وكيفية توفير فرص إدارته بفعالية وكفاءة، وعنصر "الوعي"، الذي من غيره يستحيل "النضال" والتضحيات وجهد الطبقات والسنين، أضغاث أحلام لا طائل من ورائه.
فنجاح البناء في العنصر الأول يعتمد اعتماداً أساسياً على "علم" إدارة المؤسسة الحزبية وتطبيق الطُرق الكفيلة ببناء الثقة والتفاهم وإرادة الكفاح المُشترك بين القيادة والقواعد والتي بدونها تتعثر الخطوات، وتتبدد الجهود، وتتخبط الرؤى!
وقد أتي حينٌ من الدهر، أُسبغت فيه على القيادة الحزبية هالات أسطورية، وتحول الاحترام الكفاحي لعطاء وجهد القيادة، إلى مفهوم غريب عن الماركسية، وعن "ماركس" الذي قال أنه "ليس ماركسياً"، وعبادةً وتأليهاً للفرد بعيدة كل البعد عن روح الثورة ومُقتضياتها، وتكريساً لبيروقراطية كانت كلما ازداد ثقلها كلما ازدادت انفصالاً وغربة عن المجموع، وقامت بينها وبين كوادر الحزب من كل المستويات، فواصل عازالة أدت إلى كوارث كبرى، وما انهيار الاتحاد السوفييتي والمعسكر الاشتراكي، القوى العظمي الكبرى، عن وعينا وذاكرتنا ببعيد.
يُشخِّصُ الأستاذ "الصوراني" طبيعة الداء: غياب الديمقراطية الحزبية، واستفحال علل المركزية ما يُفقد أحزاب اليسار الماركسي في بلادنا أحد أهم الضمانات "الكفيلة بتطبيق مبدأ المركزية تطبيقاً خلّاقاً،.. بما يضمن صيرورة التجدد النوعي في صفوف الحزب وهيئاته بعيداً عن كافة مظاهر البيروقراطية والشللية".
فـ "المركزية" و"الديمقراطية" الحزبيتين وجهان لعملة واحدة، جوهرها التطبيق الصحيح للمنهج الماركسي الجدلي: "لأن التركيز على المركزية وحدها مُرادفاً للانضباط والالتزام التنظيمين، وبتجاهل كامل للديمقراطية، سوف يقود إلى اختلال أساسي في مُجمل العملية التنظيمية"، والتمسُّك بـ "الديمقراطية" الحزبية لا يعني إدارة الظهر لـ "المركزية" فالعلاقة بينهما موضوعية وتفاعلية، إذ أن "المركزية كما أفهمها وأدعو لها (الرفيق غازي)، يجب أن تترافق مع الديمقراطية الواسعة".
ولا يُقصد بـ "الديمقراطية" هنا، بالطبع، ذلك النزوع "الليبرالي" الذي نشهده كثيراً من حولنا، حتى داخل العديد من الهيئات التي تحمل رايات اليسار والماركسية، وإنما "الديمقراطية" التي يجرى ـ كما يذكر "أ. غازي" ـ وضعها "في إطارها الحقيقي ضمن مفهوم أكثر شمولاً للمركزية الديمقراطية... "التركيز على المركزية وحدها مرادفاً للانضباط والالتزام التنظيميين، وبتجاهل كامل للديمقراطية، سوف يقود إلى اختلال أساسي في مجمل العملية التنظيمية...، الأمر الذي يؤدي إلى نشوء الظواهر السلبية والانتهازية"، لكن التشدُّق بـ "الديمقراطية" الحزبية، بدون التزام طوعي وواعي بجوهر المركزية الإيجابي، ينتج عنه انفراط الرابطة الوثقى التي تجمع بنيان الحزب، وتحول الحزب الثوري إلى حزب مائع، تغلب عليه التوجهات المزاجية، ولا تجمع بين لبناته جامع... وخصوصاً وبلادنا، كما يذكر الرفيق "غازي"، ما زالت ترزح تحت نير الـ "بنية البطركية بلباس حداثي شكلاني رث، هي أساس التسلّط، إلى جانب استمرار هيمنة الفكر التقليدي التراثي السلبي بذريعة الدين والعادات والتقاليد في خدمة مصالح الأثرياء القدامى منهم والجدد الكومبرادوريون، وفي ظل عفوية جماهيرية تكاد تكون مستسلمة لهذا الفكر ورموزه الطبقية والتراثية، وهو ما يجعل مسألة التنظيم في بلدان مغرب ومشرق الوطن العربي أكثر صعوبة، أو كمن يحفر في الصخر".
*************
ونأتي إلى العنصر الثاني، والمرتبط برباط وثيق مع القضية المطروحة في العنصر الأول، وهي قضية "الوعي" ودوره في تصحيح العلاقة بين القيادة والقواعد في البنية الهيكلية للأحزاب والتنظيمات اليسارية والماركسية.
بدايةً، فمن المُلاحظ ـ في العقود الأخيرة ـ ضعف العمل التثقيفي المُنَظَّم داخل أروقة الأحزاب والتنظيمات التقدمية، والاكتفاء بالنشرات العامة والإلكترونية في أغلب الأحيان، عوضاً عن جلسات التثقيف، وبرامج التثقيف الحزبي والجماعي والذاتي، كما كان الأمر يجري في فترات سابقة.
ولأن "الوعي بالنظرية وبأهداف ومبادئ الحزب يظل هو المُحدد الرئيسي لأي حركة أو فعل سياسي أو تنظيمي"، كما يقول الرفيق "غازي"، يؤدي التمسُّك العملي بهذا الفهم إلى أن يُصبح إدراك الحزب للطبيعة الترابطية بين الطرفين "المركزية" و"الديمقراطية" أداة لتطوير الحزب، وزيادة فاعليته، وتجديد الخلايا الميتة والمُتكلسة فيه، خاصةً في ظل ثورة المعلومات، وغياب الميزة التي كانت حِكراً على القيادات الحزبية في الماضي: احتكار المعلومة والانفراد بالمعرفة. وهذا التوجه، كما يذكر الرفيق "غازي الصوراني" "مطلوب بالضرورة لكافة الأحزاب في كل بلدان العالم عموماً، وفي البلدان المُتخلفة في آسيا وأمريكا اللاتينية وبلداننا العربية خصوصاً"!
*************
أحيي، في هذه المُداخلة القصيرة، الجهد النضالي والثقافي، والدور الكفاحي المُستمر، والعمل المُخلص والتراكمي للرفيق "غازي الصوراني"، الذي يفيض بعلمه وخبرته على كل الساحات النضالية العربية، وفي مقدمتها ـ بالطبع ـ الساحة الفلسطينية، ونتمني له، من القاهرة، وباسم رفاقي وعارفي فضله في اليسار المصري بعامة، وفي "الحزب الاشتراكي المصري" على وجه الخصوص، الصحة والعافية، ودائماً في انتظار فيض عطائه الفكري، الذي نحتاجه اليوم أكثر من احتياجنا له في أي فترة سابقة.


التعليقات المنشورة تعبر عن رأي أصحابها


الأسم *
البريد الألكتروني
البلد *
التعليق *
رمز الحماية: أكتب الثلاثة أرقام السوداء فقط captcha image
New Page 1